تعاليق الصحافة

******************

أقواس

إلى السيدة التي هزمت فاروق حسني

تعاليق الصحافة fleche_orange بقلم: الدكتور أمين الزاوي/

سيدتي إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو ( منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة(، أولا أهنئك، وإن كان ذلك متأخرا، أهنئك على توليك رئاسة هذه المؤسسة الموقرة وأعترف لك ولمن ناصرك بالذكاء وحسن المناورة التي « بَهْدَلتِ » العربَ فيها جميعا ومعهم المسلمين بطوائفهم ومللهم الصغيرة والكبيرة، القريبة والبعيدة: سنة وشيعة ودروزا ، وبمذاهبهم: المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية وغيرها…

فلعلمك الخاص، ولا أعلمك شيئا فأنت أدرى بحالنا، إن العرب والمسلمين لا يتفقون على واحد ولا يتوحدون على أمر إلا حين يدركون بأنهم منهزمون، وحدها الهزيمة تجمعهم. أعترف لك سيدتي المديرة العامة لليونسكو  بأنك هزمتنا جميعا عربا ومسلمين و بربرا و دروزا وأقباطا وسريانا وعبدة الشيطان، فهنيئا لك، هزمتنا  لأن هزيمتنا كانت تسكن أساسا في اختيارنا، إننا قدمنا ودعمنا للتنافس معك على منصب اليونسكو شخصية ما كان لنا أن نقدمها، والمتمثلة في شخصية الفنان ووزير الثقافة المصري السيد فاروق حسني. كنت متأكدا أن اتفاقنا هذا، ليس مبنيا على الانتصار إنما هو اتفاق على الهزيمة. أحزنني كمثقف جزائري كثيرا مصير المثقف والوزير محمد بجاوي الذي ضحت به الجزائر من أجل مرشح مصر، وللتذكير فمحمد بجاوي رجل قانون وشعر وفن ورقة وحضارة، مثقف يعرف الأساطير اليونانية ويعشق الشعر العالمي والرواية كما يعرف أعقد القوانين الدولية، وهو الذي تولى منصب رئيس المحكمة الدولية بلاهاي. كانت لي فرصة مرة أن اجتمعت على عشاء بالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بمعية بعض الأصدقاء من المثقفين، وطلب منا السفير الفرنسي صاحب الدعوة، أن يقدم كل منا نفسه لفخامة الرئيس شيراك الذي كان مصحوبا بزوجته السيدة برناديت، وحين وصل الدور إلى السيد الوزير محمد بجاوي، قاطع شيراك الجلسة قائلا: « محمد بجاوي أستاذي، محمد بجاوي معلمي، إنه في غنى عن أي تقديم. »

 كان ذلك بالنسبة لي شهادة اعتراف من رئيس دولة تجاه مثقف ورجل دولة جزائري. ومع ذلك فالجزائر ضحت بابنها محمد بجاوي لصالح المرشح فاروق حسني، وأنا متأكد بأن ترشيح بجاوي كان بإمكانه أن يكون في جهة التفوق لو أن الجزائر اشتغلت بنوع من الأنانية السياسية.

ولكن سيدتي.. أنا اليوم لا أكتب لك لأذكّرك بمعارك عربية خاسرة أساسا، وخاصة حين تقودها مصر اليوم، لكني أريد أن أكتب لك لأحكي لك حكاية دشرة من دشور بلادي، أطالب  بتسجيلها ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي. وأنا متأكد أنك حين تقرئين هذه الرسالة ستقتنعين بما اقتنعت به شخصيا.

والدشرة هذه، التي أنبه هيئتك الموقرة إلى خصوصيتها الخاصة، اسمها دشرة بوعدال، توجد في ولاية تلمسان بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وبالضبط توجد على بعد عشر كيلومترات أو أقل من باب العسة مقر الدائرة الإدارية. هي دشرة يا سيدتي توجد في الخلاء عند سفح جبل عظيم اسمه جبل زندل، أعرف أنك لا تعرفين لا زندل ولا تلمسان ولا باب العسة ولا امسيردا اتحاتة ولا امسيردا الفاقة، ولكني متأكد أنك وإن كنت لا تعرفين هذه الأماكن التي مر من عليها ابن خلدون، وعنها كتب بعض الصفحات في مقدمته الشهيرة التي بها سبق دوركهايم في تأسيس علم الاجتماع العمراني، وأيضا عنها كتب ابن بطوطة في رحلته العظيمة التي تحول هذه الأيام إلى فيلم أمريكي هوليودي ضخم، وابن سكيرج هو الآخر كتب عنها و غيرهم، أعرف أنك لا تعرفين ولو القليل عن هذه الأسماء الصعب حفظها، صحيح يا سيدتي المديرة العامة لليونسكو  نحن العرب والبربر لنا أسماء صعبة، ثقيل عليكم حفظها، ثقيلة كدمنا الثقيل، فتحملي رسالتي وتحملي هذا الكلام المليء بالصدق المزعج، واسمعيني سيدتي حتى نهاية الحكاية، فأنا من أحفاد شهرزاد مدلوقة اللسان بشهوة الحكاية المناهضة للموت، اسمعي حكاية هذه الدشرة التي ليس لها لسان، فلسان الأماكن من لسان ساكنيها، ولسان أهلها مبتور من لغاليغه، وساكنتها يا سيدتي الأنيقة لا يعرفون الفرنسية التي تعرفينها أنت رغم النبرة التي تميز حديثك وتزيدك إثارة، وهم لا يعرفون الإنجليزية كما تعرفينها لأنهم لا يأكلون الهامبورغر، و لم يسمعوا بشيء يسمى الماكدونالد، هم ناس بسطاء يعرفون لغة وحيدة هي لهجتهم المسيردية الدافئة التي هي خليط من العربية والبربرية.

مع ذلك أنا متأكد بأنني سأقنعك بأن هذه الدشرة تستحق أن تسجل في قائمة التراث الإنساني المحفوظ، كما كنت متيقنا بأن محمد بجاوي هو الأصلح في العرب والبربر لمنصب المدير العام لليونسكو، أنت أيضا يا « خصمة » فاروق حسني كنت تعرفين ذلك، ربما.

ودشرة بوعدال هذه التي أحكي لك قصتها يا سيدتي لا يتجاوز عدد سكانها بعض المئات، وهم جميعهم يكونون أسرة واحدة، دما واحدا، من الإخوة والأعمام والأخوال، يحملون نفس الاسم، اسما واحدا، هو اسم جدهم الأول، يتزاوجون فيما بينهم، دمهم يدور بينهم، لأن لا أحد من ساكنة الدشور المجاورة أو البعيدة يجرأ على مصاهرتهم، لسبب واحد،سيدتي، لأنهم جميعهم اتخذوا من الموسيقى دينا أو ما يشبه الدين لهم، وأهل « الفن » و »المغنى » والموسيقى، عندنا في هذه الأيام، يتم تصنيفهم ضمن جماعة الشيطان، والموسيقى عندنا يا سيدتي تم توسيخها وشوهت صورتها.

جميع سكان قرية بوعدال خلقوا في الموسيقى وللموسيقى ومنها، الرجال مثل النساء، الصغار مثل الكبار، يولدون في الموسيقى وينامون ويكبرون ويموتون في الموسيقى. لا شيء غير الموسيقى. ومن قرية بوعدال هذه خرجت أكبر فرقة فلكلورية جزائرية اسمها « العرفاء » والتي مثلت بلادي في أكبر التظاهرات الثقافية الفلكلورية الدولية في الشرق والغرب.

وقد وصل الشغف بالموسيقى بأهل بوعدال إلى أن حولوها إلى ما يشبه الدين.  فالموسيقى بقيمها الرفيعة حين تسمو وتتحول إلى دين أو ما يشبه ذلك، فإنها تقضي على كل تعصب وتحارب كل تطرف أو عنف.

ولأني من أحفاد شهرزاد، سأسمعك يا سيدتي المديرة العامة لليونسكو هذه الحكاية، مع أننا نحن في الجزائر نقول: « من يحك في النهار يولد له أطفال قرع صلع » ومع ذلك سأحكي لك في النهار، حكاية غريبة عن واحد من ساكنة هذه الدشرة المهمشة، وقد اختلط على هذه الدشرة ليلها بنهارها..

كان هناك شيخ من ساكنة قرية بوعدال، اسمه موح البكاي، وهو عازفها الأكبر، حين بلغ به العمر عتيا، قرر الذهاب إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، والحج عندنا يا سيدتي هو الركن الخامس من أركان الدين الإسلامي. وإذ أدى موح البكاي فريضته عاد إلى دشرته بوعدال، فوجد أهلها في حياتهم كعادتهم، التي هي من الموسيقى والفرح، ولأنه أصبح حاجا فقد وجد من الصعوبة بمكان العودة إلى ممارسة الموسيقى، وهو الذي كان أكبر عازف في الدشرة وفي الأنحاء.

استطاع الشيخ العازف أن يمسك عن الموسيقى بعضا من الوقت، بضع شهور ربما، ولكن جنون الموسيقى عاوده فكبته في الأول، وعاوده فكبته في المرة الثانية، وفي المرة الثالثة أخرج مزماره وبدأ يلامسه، يربت عليه بحنان ولطف، دون أن يتجرأ على العزف، يناجيه ويبكي له أو عليه، وفي المرة الرابعة، وقد انهار أمام عاصفة رغبة الموسيقى المتفجرة في دمه، وضع مزماره تحت جناح جلبابه ثم خرج من الدشرة، ابتعد عنها بعض الكيلومترات، جلس فوق صخرة كبيرة على قمة جبل زندل العجيب، نظر إلى السماء، كأنما يخاطب ربه الذي ذهب لملاقاته تحت أقواس الحرم المكي الشريف، نظر أسفل إلى زرقة البحر، ثم أخرج مزماره و بدأ في العزف العظيم. عزف ما بقي من النهار، عزف هذه المرة للطيور وللسماء وللغيوم وللبحر، وحين سقط النهار عاد إلى دشرة بوعدال، عاد في أبهى ما يكون عليه الإنسان الفرح.

و منذ ذاك اليوم كان كلما اشتد به الحنين، وعصفت به عاصفة الموسيقى، أخفى مزماره تحت جناح جلبابه الأبيض، ثم صعد جبل زندل قابل البحر في الأسفل والسماء في الفوق وعزف وعزف وعزف.

شكرا لك يا سيدتي إيرينا بوكوفا، أيتها المديرة العامة لليونسكو على استماعك لهذه الحكاية ولكني أقول: « ألا تستحق هذه الدشرة الاستثنائية أن تكون في قائمة التراث الإنساني المحمي..؟ وحماك الله من شر حاسد إذا حسد. » 

**********************

هل تستورد الجزائر النفط والغاز؟

fleche_orange د بشير مصيطفى/

نقلت يومية جزائرية بداية هذا الأسبوع عن الخبير النفطي والمدير العام للمركز العربي لأبحاث البترول ومقره في باريس « نيكولا سركيس » أن الجزائر مهددة لتصبح أول دولة مستوردة للنفط، دون أن يشير إلى آجال محددة يتحقق فيها هذا المشهد.

وسرعان ما تناقلت وسائل الإعلام هذا التصريح وكأن الأمر يتعلق بحقيقة علمية أو بنظرية « التوقعات الرشيدة » التي تعود للمدرسة الأمريكية العام 1960. فهل يستند التصريح المذكور لأساسيات حقيقية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تخمينات لا أكثر؟

حدود الطاقة الأحفورية

تتضارب الأرقام فيما يخص احتياطي الجزائر المتبقي من النفط والغاز بسبب طبيعة القياس في مجال الاستكشافات،  ولكن مصادر الشركة الجزائرية « سوناطراك » تفيد بأن احتياطي الجزائر من النفط بلغ العام 2000 مستوى 12 مليار برميل، ومن الغاز مستوى 4500 مليار متر مكعب. وبعملية حسابية بسيطة وفي حالة بقاء الاستكشافات على ما هي عليه الآن، فإن العمر الافتراضي لهذه المواد الناضبة بالنسبة للجزائر يصل الى ما بين 40 و50 سنة، وهي مدة كافية لأن تضبط البلاد سياستها الطاقوية في اتجاه الطاقات البديلة وإلا فإن اتجاهات استهلاك الطاقة في الدول الصناعية الكبرى ستدفع بالجزائر الى أزمة أخرى في مجال أسعار الذهب الأسود قبل تلك الآجال.  فالولايات المتحدة الأمريكية التي وضعت خطة بحجم 112 مليار دولار للاستثمار في الطاقة المتجددة تسابقها ثاني دولة في مجال الطلب على الطاقة أي الصين باستثمارات تصل الى 20 مليار دولار والاتحاد الأوروبي باستثمارات ضخمة تصل الى 560 مليار دولار « مشروع القرن ديزرتك »، كلها برامج تصب في آخر المطاف في إحلال الطاقات المتجددة محل الطاقة الأحفورية في الأسواق الصناعية الكبرى بنسب تصل الى 25 بالمائة في غضون 40 سنة.

إشكالية التوقعات الرشيدة

وعلى الرغم من أن تحاليل سابقة  كثيرة كانت أشارت الى تراجع احتياطيات الدول النفطية وخاصة دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط مما يتماشى مع قابلية الذهب الأسود للنضوب، إلا أن تصريحا أخيرا للأمين العام للمنظمة العربية للدول المصدرة للنفط  « أوابك » كذب مثل تلك التحاليل وأشار الى أن الاحتياطيات بالشرق الأوسط ارتفعت بالفعل بين 2007 و2008 بنسبة 3 بالمائة، كما أعلنت إمارة دبي بداية الشهر الجاري عن اكتشاف حقل نفطي جديد قبالة سواحل الإمارة يتوقع له أن يبدد شكوك الملاحظين حول إمكانية تعرض البلاد الى أزمة أخرى في الاقتصاد الكلي،  وذلك حالما يتم الكشف عن طاقة إنتاج الحقل المحتملة، ما يعني أن التوقعات بشأن نضوب الاحتياطي تظل مرهونة بعمليات الاستثمار في الاستكشاف والتحكم في الإنتاج، وفي غالب الأحيان تنقلب التوقعات الى مجرد تخمينات لا طائل من ورائها،  فنيكولا سركيس نفسه وفي العام 2008 كان توقع بلوغ النفط عتبة 160 دولار للبرميل،  كما توقع أن يرتفع الطلب اليومي العالمي على النفط العام 2030 مستوى 117 مليون برميل قبل أن تأتي الأزمة المالية الأخيرة لتهوي بالنفط الى مستوى 38 دولارا للبرميل، وتخلط معطيات الساحة النفطية في اتجاهات جديدة أبرزها السياسة الأمريكية الرامية الى تقليص الطلب على الطاقة الأحفورية لصالح الطاقات النظيفة، ثم الاقتراب من تصديق الدول على بروتوكول جديد للحفاظ على التوازن البيئي خلفا لبروتوكول « كيوتو » العام 2013 وحتما سيكون ذلك بحسابات الضغط على الانبعاث الحراري من ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل الى 80 بالمائة في ألمانيا و25 بالمائة في أمريكا، وبالتالي تقليص الطلب العالمي على النفط.

نحو رؤية طاقوية جديدة

التصريح الذي أدلى به الخبير النفطي « نيكولا سركيس » يقوم على معطيات ساكنة ومن الخطأ اعتبار سياسات الدول سياسات ساكنة خاصة على آفاق نصف قرن.

وستكون الجزائر مرشحة لأزمة طاقوية في حالة واحدة وهي استمرار الرؤية الاقتصادية للبلاد على ما هي عليه الآن، وهذا مستبعد جدا على خلفية الخسارة الكبرى التي تكبدتها الجزائر جراء أخطاء نموذج التنمية الذي اتبعته لحد الآن وعلى خلفية خيبة الظن التي يشعر بها الجميع في بعض المسؤولين على القطاع الطاقوي في البلاد. لقد بات الشعور بضرورة التغيير الإيجابي عاما وما زال هذا الشعور يتمدد يوميا وسط الرأي العام والمثقفين وبعض رجال الدولة، مما يدفع الى رؤية جديدة في مجال السياسات بدأنا نرى بعض تباشيرها.

فقد اعتمدت الجزائر برنامجا جديدا للطاقات البديلة عن طريق الشراكة مع الشركات الألمانية والبريطانية تماما مثلما اعتمدت المغرب بداية الشهر الجاري برنامجا جديدا للاستثمار في الطاقات البديلة بحجم 9 مليار دولار. ويقوم البرنامج الجزائري على إنتاج الطاقة الهجينة بمزج الطاقة الشمسية مع الغاز في منطقة حاسي الرمل، بناء معامل للألواح الشمسية وهناك برنامج لإنجاز أكبر معمل في إفريقيا يكون موقعه بالجزائر العاصمة، إطلاق معمل لإنتاج الطاقة عن طريق الرياح بطاقة إنتاج 10 ميغا بمدينة أدرار فازت بإنجازه الشركة الفرنسية « فرني » تمهيدا لإطلاق معامل أخرى في مستغانم وغيرها، إطلاق مشروعا بحجم 1.1 مليار دولار ضمن برنامج رئيس الجمهورية لإنتاج الطاقة الشمسية، وأخيرا ترقب مصادقة البرلمان الأوروبي على مشروع « ديزرتك » الضخم والذي تعد الجزائر أحد أهم  ساحاته، جنوب المتوسط، خاصة وأنه يستهدف تأمين 15 بالمائة من احتياجات أوروبا من الطاقة ولو أحسنت بلادنا التفاوض مع الطرف الأوروبي على قاعدة تقاسم المنافع لأمكن تحقيق الانخراط في مسعى العالم نحو الطاقة البديلة، وحينها يكون الحديث عن النفط والغاز كورقة استراتيجية في الأمن الطاقوي حديثا ثانويا بل لا طائل له.

وتعول الجزائر على تزويد أوروبا بطاقة من الشمس بحجم 6000 ميغا في آفاق 2015، كما تعول على أن تحتل الطاقة البديلة نسبة 15 بالمائة من الاستهلاك الداخلي من الطاقة في آفاق 2015.

يبدو لي أن الوقت قد حان كي يتم مراجعة سياسة قطاع الطاقة في بلادنا المبنية على مزيد من الإنتاج في جانبي النفط والغاز والتركيز في التراكم الرأسمالي على جانب الطاقة المتولدة عن الشمس والرياح والمياه وباطن الأرض، لأنها ببساطة طاقة نظيفة، أكثر مردودية وغير قابلة للنضوب، ولا تتيح مجالات واسعة للصفقات المشبوهة، إضافة الى أنها طاقة تملك سوقا واعدة بالنسبة للجزائر حجمها 378 مليون نسمة، أي السوق الأوروبية فضلا عن السوق الإفريقية وحجمها قد يتجاوز المليار نسمة في آفاق العشرين سنة القادمة.

* 

********************** 

(….)

نحن أمام مسؤولين غير مسؤولين. فمن غير المنطقي أن يكون الوزير جاهلا لكبريات الملفات التي تطبخ في دائرته الوزارية. ومن جانب ثان فإن الوزير، أي وزير، من المفروض أن يتحمل المسؤولية القانونية والسياسية لما يجري في قطاعه، وما أوصلنا إلى حالة التسيب هذه هي أننا دأبنا على إسناد مسؤوليات كبرى إلى أشخاص من دون أن يحاسبهم أحد على تسييرهم أو أن يشعروا أنهم مطالبون بتقديم الحساب للرأي العام أمام المؤسسات الرقابة للجمهورية.

ما تعيد إثارته قضيتا الفساد اللتان تمت الإشارة إليهما في الآونة الآخيرة في سوناطراك ووزارة الأشغال العمومية هي أن المنظومة الرقابية مخربة ولا تشتغل بصورة تؤمن مواردنا وسلامة المجموعة الوطنية. وهذه محصلة طبيعية لمنظومة الحكم بصفة عامة التي أفرطت القوى المهيمنة فيها في الحرص على تقوية مركزها وتوسيع نفوذها، وفي المقابل إضعاف المؤسسات الرقابية التي يمكن أن تلعب دور « كلاب حراسة » لمواجهة أي انحراف. لم يعد دور لا لإطارات المؤسسات كي تراجع وتنتقد وتراقب التسيير في أدق تفاصيله وتعيد توجيهه الوجهة الصحيحة، كما أن المؤسسات الأخرى كلجان التحقيق الداخلية والرقابة الأمنية، ومجلس المحاسبة والمفتشية العامة للمالية والعدالة والبرلمان.. غُيبت وأضعفت إلى أن صارت لا يهابها أحد ولا تستطيع أن تلعب دورا وقائيا بداية.

هذا الوضع هو الذي أنتج فضيحة الخليفة وسلسلة البنوك الأخرى المنهارة، وقضية الشركة الجزائرية الأمريكية المختلطة « بي. أر. سي » وغيرها من الملفات التي كلفت الخزينة العمومية الملايير، ونفس الأرضية مرشحة لتنتج حالات مشابهة في المستقبل، لأن المنظومة الرقابية عاطلة وهي في الحقيقة عرضة لإعطاب متعمد. فعندما يعلم اللصوص أنه لا يوجد حارس للدار فإنهم سيسطون على كل ما غلى ثمنه وثقل حمله في هدوء وطمئنينة لأنهم يدركون أنه لن يلحق بهم أحد، فالسارق يشعر وكأنه محمي وفي أمن وأمان تماما، وهذا للأسف الشديد ما يحصل في الجزائر.

فالخطاب الرسمي عن مكافحة الرشوة يبقى مجرد كلام لأنه لم يتبع بأدوات تنفيذية تتمثل في بناء مؤسسات رقابية وقانونية مستقلة حقيقة ويهابها الجميع، وهذه المؤسسات لن تأتي في الظرف الراهن لأن السلطة تريد الحكم من دون سلطة مضادة أو رقيب.

ما هو غريب هو أن تمر ملفات الرشوة الخطيرة التي تنشرها الصحف مرور الكرام من دون أن تثير ردة فعل حقيقية سواء من جانب المؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية؛ البرلمان الأحزاب الجمعيات.. وكأننا أمام حدث من المنوعات نقل في شريط الأخبار السريعة إلى جانب أخبار أخرى كإصابة أبقار الخروب مثلا بالحمى المالطية! لقد كانت الصحف تكتب يوميا عناوين بالبنط العريض عن سرقة آلاف الملايير هنا وتحويل آلاف أخرى هناك، وتكررت الوقائع من هذا الصنف حتى صارت أخبارا مألوفة وباهتة مثل سرقة دجاجة أو هاتف نقال، علما أن سارقي الهاتف النقال يعاقبون بقساوة مقارنة بمن يسرق الملايير.

من جانب ثان، ينبغي أن نلاحظ أن ملفات الفساد والرشوة تظهر بصفة دورية بشكل يوحي أن الأمر فيه تدبير وإلا لما سربت تلك المعلومات المفصلة للصحافة التي يصعب عليها الوصول إليها في الأيام الأخرى. العديد من المراقبين يرجعون ذلك إلى صراعات سياسية ومحاولات أطراف تصفية حساباتها مع أخرى وإلا ما ظهرت تلك الملفات إلى العلن. وهذا يؤشر على استعصاء الفساد والرشوة وتجذرهما أكثر من وجود إرادة حقيقية ومنهجية لمكافحتهما؛ فبدلا من العمل على الاجتثاث الجذري للفساد أبقي كمادة للصراع السياسي ومن أجل النفوذ.

 الشروق-01.02.2010

*********************** 

المستعمر الوطني ».. كيف نقاومه؟

 استعمال العنف واحتكاره لتكريس جور الحكام

يهزّنا الحنين إلى الماضي، فيغدو الشوق إلى ذكريات مرت من أعمارنا سبيلا إلى نسيان الواقع ولو للحظات.

غير أن ذلك النسيان قد يتحول إلى حالة مرضية -قد نعتقد أنها صحية- يصعب الخروج منها، يمكن قبولها إذا تعلقت بأمجاد الأمة أو ببعض المحطات المنيرة في تاريخنا، وعلينا رفضها بكل ما أوتينا من وعي إذا تعلق الأمر بعودة الجهالة والجاهلية والقهر والعبودية والبطش والاحتلال، لأنها تصل بنا في النهاية، إن تغاضينا عنها، إلى التأثير السلبي على الأجيال. 

 أقول هذا لأنني أرى أن هناك عودة لثقافة « القابلية للاستعمار » أبشع من تلك التي فصّلها المفكر مالك بن نبي في معظم كتاباته، وكانت قضيته المركزية، وبشاعتها تظهر في استيرادنا للمستعمر -سلطة وتجارب وثقافة وقيما- إلى أقطارنا المسلمة، ويستثنى من ذلك فلسطين والعراق، لأنهما احتلتا بالقوة العسكرية، أو لجوؤنا إليه هروبا من التخلف والمعاناة وبطش بعض الحكام، أو بحثا عن حياة أفضل، سواء من شباب أصبحوا وليمة لأسماك البحر أو انتهوا في حال نجاتهم إلى خدم في الدّرك الأسفل من حياة المجتمعات الغربية، أو من آخرين سعوا للعدالة والحق والحرية، بما في ذلك الذين حملوا شعار الدفاع عن مشروع الدولة الإسلامية، التي اعتقدوا أنها لا تقوم إلا بهم دون باقي المسلمين، لكونهم النخبة، الصفوة، الفرقة الناجية. 

 الخلافات القائمة بيننا -تؤدي أحيانا إلى حروب أهلية وإرهاب ودماء- لا تخرج عن نطاق حالات الاستعمار الثلاث، التي تمثّل ميراثا غير شرعي لحقبة الاستعمار الخارجي، ومن المحزن حقا أن نشعر اليوم أننا ندخل مرحلة أشد سوءا من تلك التي كانت في حقب الأعداء، لأن المواجهة أو الرفض تؤدي إلى حروب أهلية.. صحيح أن أنظمة الحكم في كل دول العالم -قديما وحديثا- من حقها استعمال العنف واحتكاره أيضا، شرط أن يكون الهدف منه حماية النظام العام والدولة والقانون، وليس تكريس جور الحكام.

 من فينا اليوم لا يشعر أنه أسير مواطن مثله يتحدث لغته ويدين بدينه ويستولي على خيرات بلاده ويفرض عليه قيم الفساد جهارا؟، ومن فينا لا يحس أنه اليوم مقيد تحت جبروت حاكم مدعم بسلطة القوة، وشرعية القوانين ومدجج بأسلحة مختلف القوى الأمنية لما يمكن أن نطلق عليه « المستعمر الوطني »؟.

   أدرك أنها كلمة ثقيلة على القلب والمشاعر وعلى العقل، وأدرك أيضا أن الاستعمار لا يجتمع مع الوطن، ولكن حين تباح حرمات الأوطان وسيادتها ويكثر فيها الفساد، وتتوتر فيها العلاقات الاجتماعية، ولا تدرك الغالبية ما لها وما عليها، ويعتقد كل مسؤول أن مهمته استغلال السلطة، لأن الفرصة لن تأتيه مرة أخرى، خصوصا ونحن نلاحظ تحكم الفاشلين في الناجحين، وليس هنالك ما يبرّر الجرائم التي تقع يوميا، حتى لو كانت خوف المسؤولين من البطالة، حين نرى هذا كله لا نملك إلا أن نعلن أننا نعيش في مرحلة المستعمر الوطني.   

لقد حاول بعض عناصر النخبة الداعين إلى الحق رفض ما يحدث فأبعدوا أو سجنوا أو قتلوا أو نفوا من البلاد، وكرههم لفعلهم العباد، وأصبح حلم الأكثرية منا أن يقولوا للحكام أتيناكم طائعين، فما قدروهم حقّ قدرهم، ومنذ متى كان الأسياد يقدّرون العبيد؟، خصوصا وأنهم ابتغوا العزة عندهم، وذلك منتهى المذلة.. إنه لعيب أن يكون هذا مصير شعوب حررّها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، وعيب أكبر على الذين رزقوا بمهنة الكتابة، التي هي جزء من رسالة النبوة أن يتحولوا إلى مزينين لأفعال أهل السوء منّا، حتى لو كانوا بعيدين عن الحكم. 

 ترى ما الحل، ونحن نرى وصفات الغرب لحكوماتنا تركز على مزيد من قتل الشعوب، على تخريب البيوت، على تدمير المدن وحرق القرى، وتشريد السكان؟.. أليس هذا هو أسلوب الاستعمار القديم؟.. ما يعني أن دعوات حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة مجرد مدخل لإحداث الفوضى، بدليل أنه لم يتم طرح مثل هذه القضايا على مستوى المشاريع الاقتصادية؟  

  ماذا عسانا أن نفعل، ونحن نرى ثوار الأمس القريب يعثون فسادا في أوطانهم، وينصّبون أنفسهم حكاما بمنطق الخلود، ويطبّقون أساليب المستعمر الخارجي القديمة   لتأديب الشعوب؟. 

 ترى ما الذي جعلهم على هذا المستوى من البشاعة والسخف.. إننا لا نشك أبدا في جهادهم في الماضي، لكن أيضا غير خاف عن أحد اليوم إجرامهم في الحاضر؟، أتكون السلطة هي السبب، أم أنها أنفس جبلت على المعصية، فما أدركت نعمة ربها وما حدّثت بما أعطيت أوطانها من خيرات؟

   الطريق إلى الحكم كلّفنا الكثير من مختلف القوى السياسية، بما في ذلك القوى الإسلامية، لدرجة أنها لم ترقب فينا إلّاً ولا ذمة، فغدت ثقافة المستعمر عامة، والشعوب ليست طرفا حياديا وإنما تتمحّل أوزار هذه الثقافة ولو بدرجة أقل، ذلك لأنها تقاتل ببسالة من أجل زخرف الدنيا وحاجاتها اليومية، لكن حين يتعلق الأمر باختيارات الأخيرة نراها تغض الطّرف عما يحول دونها. 

المستعمر الوطني أصبح حقيقة مرة في حياتنا، والقضاء عليه لا يكمن أن يتم عبر تكريس من مزيد من الفوضى، وإنما بوعي النخب بدورها ومسؤوليتها، والبداية من محاربة الفساد ضمن سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك هي البداية التي لا بد منها، وإن اختلفنا حول الأحق بتنفيذها.

خالد عمر بن ققه- الشروق 19.08.09   

 *****************************

جنود جدد لأعداء الثورة

محاكم التفتيش وحروب الردة في الجزائر

يزعم البعض من أصحاب رواتب الـ 30 مليون في الشهر أن مليون ونصف مليون شهيد مجرد أكذوبة، ويزعم البعض الآخر ممن ينتمون إلى مناطق لم تعش جحيم الاستدمار الفرنسي بأن »هجوم المغرب على الجزائر سنة 1963 كان مجرد ادعاء من الرئيس السابق أحمد بن بلة لوقف الصراع على السلطة«، بل هناك من ذهب إلى حد سحب صفة الشهيد من العقيدين عميروش وسي الحواس. واتهام كريم بلقاسم بتصفيتهما، أو »جماعة وجدة وغار دي ماو«. وفي الوقت الذي يصرح فيه سكرتير عميروش ببعض المعلومات، ينفي آخر أن يكون لعميروش سكرتير، وإنما يدعي أنه كانت له سكرتيرة.

والتطاول على الثورة صار سمة من يحملون بطاقات أبناء الشهداء أو مجاهدين، وأصبح لأعداء الثورة »جنود جدد« بعد التزام المؤرخين الصمت وتهميش قادة الثورة الأحياء والطعن في الشهداء منهم.

والحق يقال إن هناك جهات مستفيدة من الشهادات المضللة للثورة، والمشككة في رموزها.

لم يتحدث أحد عن تصفية المعرّبين الذين التحقوا بالثورة، ولا عن »حروب الردة« التي قادها »ضباط فرنسا« أثناء الثورة وبعد استرجاع السيادة.

والكل يمتطي الثورة ظنّا منه أن »شهادته المزيفة« أو آراء غيره التي ينسبها إليه قد تدخله التاريخ كبطل في »التضليل الإعلامي«.

…وسادستهم على الأوراق!

ابتدع مؤتمر الصومام ولاية سادسة على الأوراق، بعد أن كانت الجزائر مقسمة إلى خمس ولايات وهي ولاية الأوراس (الأولى) وولاية الشمال القسنطيني (الثانية) وولاية المنطقة القبائلية (الثالثة) وولاية العاصمة وضواحيها (الرابعة) ولاية الغرب الجزائري (الخامسة) وقد تدخل أحد العقداء لمنع كتاب يتحدث فيه صاحبه عن الولاية السادسة، وهي موجودة على الأوراق ولكنها غير موجودة ميدانيا، لأن صاحب الكتاب لم يدقق في المعلومات المضللة للرأي العام.

وإذا كانت الولاية السادسة (الصحراء) موجودة على الأوراق فقط، فإن ما يسمى بـ(القاعدة الشرقية) كانت موجودة ميدانيا، ولكنها غير موجودة على الأوراق لأنها كانت تابعة للولاية الثانية.

ورابعهم »محاكم التفتيش«!

حين تراكمت المشاكل على الولايات الثالثة والرابعة والأولى، وكثُرت الاغتيالات في أوساط المجاهدين، ومن التحق بالثورة من المعربين، بسبب الحرب النفسية التي قادتها فرنسا ضد الثورة، قرر قادة هذه الولايات الثلاث الاجتماع، في مكان آمن، وكان عميروش بعد عودته من تونس قد قضى ليلة عند العقيد كافي وشعر بالأمن فاقترح عليه الاجتماع بولايته.

ويبدو أن كافي تفطن إلى خطورة هذا الاجتماع، والمشاركة فيه تعني إعطاء شرعية للتصفيات والاغتيالات، ولهذا بعث ممثله واعتذر، وبالموازاة ذهبت رسالة إلى الحكومة المؤقتة تطلب فتح تحقيق حول ذلك. إلا أن الحكومة المؤقتة التزمت الصمت، وربما السبب هو أنها قبل استلامها طلب الولاية الثانية بفتح تحقيق، كانت قد تورطت مع الجماعة عبر برقية تهنئة لما يقومون به.

ويبدو أن محاكم التفتيش خلال الثورة بعد استشهاد مصطفى بن بولعيد زعيم أوراس النمامشة، وإلقاء القبض على رابح بيطاط زعيم الولاية الرابعة، وظهور زعيم جديد بالمنطقة القبائلية وهو عبان رمضان وما ينسب إليه من فتح خط »اتصال« مع المفاوض الفرنسي، دون إخطار قيادة الثورة، واستقالة الأمين دباغين وزير الخارجية في حكومة فرحات عباس، ثم الإطاحة بها وتسلم بن يوسف بن خدة قيادتها. والصراع بين الداخل والخارج، و»محاكمة لعموري«، وغيرها… كانت عوامل أساسية لإعادة قراءة الأحداث بعيدا عن الجهوية والأفكار التضليلية.

وكانت المنطقة القبائلية تستمد قوتها من تركيز فرنسا عليها، سواء بإنشاء إذاعة بالقبائلية، أو دعم الحزب الشيوعي الفرنسي لإنشاء حزب قبائلي منشق عن حزب الشعب.

ولعل هذا ما جعل مجموعة الـ22 تدعم كريم بلقاسم بصفته ممثلا للمنطقة، ويتحول إلى زعيم لها، بعد أن تأكد أن زعماء الثورة اختطفتهم فرنسا في أول فرصة جوية، وكان العقيد عميروش أحد الشخصيات التي تحظى بثقة كريم بلقاسم، بيد أن ظهور عبان رمضان المفاجئ، ومحاولته قيادة الثورة من الداخل، وإضعاف مركز كريم بلقاسم أدى بالعقيد عميروش إلى التحذير منه. والرسائل منشورة في مذكرات الرئيس علي كافي.

ولما تراجع نفوذ عميروش بالولاية الثالثة، بدأ الحديث عن ميرة عبد الرحمن خليفة له، واستشهاد عبد الرحمن بعد عودته من تونس، وكذلك استشهاد عميروش وسي الحواس، أدى بالصراع إلى »المواجهة« فكانت النهاية متوقعة بالنسبة للزعيم عبان رمضان.

وأزعم أن »الصراع الخفي« بين ولايتي تيزي وزو وبجاية جعل كريم بلقاسم ينتصر لجماعة تيزي وزو على حساب عبد الرحمن ميرة الذي لم ينتبه إليه كريم بلقاسم إلا حين أحس بالخطر الذي يهدد المنطقة بعد الأحداث التي جرت بها خلال حكم عميروش.

 لا أحد ينكر أن العقيدين عميروش وسي الحواس سقطا شهيدين في معركة (جبل ثامر) في مارس، شهر الشهداء عام 1959، وبالتالي فاتهام جماعة »وجدة أو غار دي ماو« بأنهما وراء الاغتيال هو مجرد أكذوبة يصعب تسويقها. والادعاء بأن جثتيهما كانتا في ثكنة للدرك الوطني هو تشويه للدرك الوطني، وأكذوبة أخرى، فالجثتان كانتا تحت وزارة الدفاع، والشاهد ما يزال على قيد الحياة وهو العقيد أحمد بن شريف الذي كان أول من أعلن ذلك في مجلة منبر أكتوبر.

الحرب النفسية لمنع كتابة تاريخ الثورة

وتحاول بعض الأصوات ممن استفادوا من »الجهوية« في تسوية »مستقبلهم« وضمان أمنهم الغذائي، الترويج لمعلومات خاطئة تفيد أن المغرب لم يهجم على تندوف سنة 1963 وإنما هو ادعاء من الرئيس الأسبق أحمد بن بلة من أجل وقف الصراع على السلطة، بالرغم من أن العملية خلفت ضحايا، ومنها الرئيس حسني مبارك الذي كان في القوات الجوية وأصيب أثناء الهجوم، ولولا الرئيس فيدال كاسترو والسلاح الكوبي لصارت تندوف مغربية، والأصوات التي تطالب المغرب باسترجاعها هي من بقايا الهجوم المغربي على الجزائر، ومن يسوقون لهذه المعلومات الخاطئة إنما يريدون الانتصار لغير الحقيقة. ومن يدعي بأن عميروش كانت له سكرتيرة وليس سكرتيرا فهذا لا علاقة له بالثورة وإنما قرأ عنها في »روايات إيف كوريار«.

أما الطعن في عدد الشهداء، فأعتقد أن أصحابه يريدون »الشهرة والبريستيج« بعد أن تأكدوا أنها لا تورّث عبر الآباء أو عبر إنشاء أحزاب أو عضوية مجلس الأمة أو غيرها من المناصب. والمفارقة، أن من تلفظه السلطة في الجزائر يتحول إلى مروّج لأفكار ليست صحيحة، ومعلومات خاطئة، ويسعى لتضليل الرأي العام.

الفرنسيون حين كذبوا أن يكون ضحايا مجازر 8 ماي 1945 هم 45 ألف وجدوا في فرنسا من يطعن في مصداقيتهم.

وحتى الآن لا يستطيع فرنسي أن يتنكر لهذا الرقم، أما الادّعاء بأن الهدف من تضخيمه هو نهب المال العام، فاعترف أنني إبن شهيد، حتى الآن لم أستفد من ذلك، ولم أنخرط في أية جمعية ولكنني أعتز بأن من حرروا البلاد واستشهدوا أحق بالاحترام ممن يدعون أنهم مجاهدون ويطعنون في من أبقاهم أحياء.

إذا كانت الفتنة في الولايتين الأولى والثالثة هي التي أوجدت محاكم التفتيش خلال الثورة، فإن الاستعمار هو الذي غذى الحرب النفسية وحروب الردة خلال الثورة حتى يقضي عليها وبقاياه صارت اليوم تسوق لتحجيم ثورة كبيرة حررت شعوب العالم الثالث، وماتزال في قلوب الشعوب رمز الانتصار والتحرر.

بقلم  عبد العالي رزاقي

الشروق-26.08.09

 

********************************

 أصبح الحديث  عن الاعتداءات المتكررة لممثلي الشعب على أفراد الشعب

الحصانة الشعبية والحصانة البرلمانية

كثر الحديث مؤخرا، ومنذ ما يقارب السنتين، عن انتهاكات من نوع خاص، يفترض فيها عدم حدوثها، للنزاهة والاستقامة المفترضة على ممثلي الشعب.

  

ولكن يبدو أن العكس أصبح الحديث عنه من خلال تناقل وسائل الإعلام عن الاعتداءات المتكررة لممثلي الشعب على أفراد الشعب، فوصلت إلى حد القتل، والشتم، والجرح، وإنني لن أقفز على الحقيقة، فهي الحقيقة المطلقة!!.. قد يكثر التأويل فيها والقيل والقال…، ولكن في جميع الأحوال « أجرم » النائب المحترم للشعبي المستحقر مدان للعديد من الاعتبارات، أهمها أن المقام والوظيفة تقتضي الرزانة والحنكة وبرودة الأعصاب، والتسامح وغيرها من الأوصاف الأخرى.. فالعملية المفترضة على النائب من تحسس وترجمة التطلعات وليس الاعتداء والتفرعين على الزوالي.. كما أنه يفترض إن كان غموض في النصوص -حسب البعض- على النائب المحترم التي تحوم حوله الشكوك أن يقدم استقالته، أو أن يجعل نفسه تحت تصرف العادلة لكي تقوم بعملها، ولكن يبدو أن « الشجاعة » تنقص في هذا الموطن، السلطة التشريعية أو وزارة العدل « فالشجاعة » ناقصة وغير قائمة لدى جميع الأطراف. 

وما دمنا نتكلم عن الحصانة.. فالحصانة الحقيقية -حسب قناعتي- هي حصانة الشعب، بتقديره واحترامه للنائب. أما الحصانة البرلمانية فمؤقتة ومرحلية مرتبطة بالعهدة، وذلك قد يجرنا للحديث عن الاحترام الشعبي، الذي أحيانا قد يكون نتاج الخوف بحكم المنصب، وهي في هذه الصورة اصطناعية وغير حقيقية، تنتهي بانتهاء المؤثر الخارجي.. والصورة الثانية هي الاحترام الناتج عن مواصفات الشخص النائب من أخلاق عالية، ومهنية في أداء الواجبات، والعمل على ترقية أفراد دائرته.. فهذه الحصانة الشعبية هي الحصانة الحقيقية، المتجردة والدائمة… ولذلك يوجد مثال شعبي قائل « كم من الوالي اصبح ولو.. وكم من ولو أصبح والي ».. أمام عجز العديد!!، قد نذكّر أنفسنا والآخرين أنه « لو دامت لغيرك لما وصلت إليك » و »دوام الحال من المحال »، لذلك لا محال كل هذه الملفات العالقة وأحياناً المتأرجحة ستظهر آجلا أم عاجلا، وحينها لا يمكن البكاء على الأطلال…

وإنني قد أتكلم عن الحصانة، والفهم المغشوش لدى العديد باستعمال المصطلح دون قيود أو ضوابط، وأحياناً قد يسلط كسيف الحجاج على الضعفاء… وإنني قد اندهشت للعديد منهم الذين تحوم حولهم بعض الشكوك، بدل أن يخرج إلى الله عريانا.. يكسيه.. نلاحظ انه حدث مفعول عكسي، فأصبح أكثر ثشبتاً بحصانته البرلمانية، وكل واحد منهم هو الذي يقيم العدالة بنفسه وحسب فلسفته… كما انه في العديد من الدول التي قد تسمى لدى طباقتنا السياسية بدول الموز، هذه الدول لها الشجاعة في رفع الحصانة… 

ومن ناحية أخرى، فرضا لو كان جدال فقهي قانوني قائم حول مدلول الحصانة، هل تكون أثناء أداء الواجب؟؟ أم تكون خلال العهدة البرلمانية أو خارجها؟؟ في كل الأعمال أو الجزء منها.؟؟.. ومن يحرك الحصانة، مكتب البرلمان، أم وزير العدل؟؟ ام تكون بناء على طالب النائب؟؟ ففي هذه الحالات أليس لدينا مجلسا دستوريا يستفتينا؟؟ ومن حق بعض المؤسسات الدستورية إخطاره للاستفسار وحل هذه الإشكاليات؟؟ أم نزن الأمور بضبابية نتيجة قناعات وحسابات سياسية بعيدا كل البعد عن التكنولوجية القانونية… 

والباعث القانوني من الحصانة وهو من أجل أن يؤدي النائب التزاماته الانتخابية، وفق قناعاته التي انتخب عليها دون أي ضغوط، ودون متابعات إجرائية قانونية التي قد تكيف في الظروف العادية على أساس قذف أو انتهاك لحق الخصوصية.. ففي جميع الأحوال الحصانة لا تتعدى المهام الوظيفية، ولكن يبدو لدينا أن الحصانة لقنت بشكل « خاطئ »، وازداد في قناعة النواب من خلال التمادي في الممارسة الخاطئة والسكوت عنها!!!… فهذه السلوكيات نتيجة بيئة مساعدة لهذه الممارسات المنافية ليس فقط للوظيفة الانتخابية بقدر ما هي منافية لمفهوم المواطنة. 

وأخيرا إن كانت من كلمة فإن الأحزاب السياسية في العالم مدارس للسلوك المثالي، ولكن في جرائرنا يبدو أن « الانحطاط » و »الزبونية » في اختيار الممثلين بداءة تنعكس سلباً، والعمل والنتائج بجنس الاختيار، وكما تكونوا يولى عليكم، فهذه القاعدة والسنة الكونية هي المشهد الدرامي لحياتنا البرلمانية… وإنني لن أجرم جميع النواب، ولكن العينات السلبية قد تؤثر على المجلس بكامله وتعطي انطباعا خطئا لدى أفراد الشعب.

 أ.د. فوزي أوصديق-الشروق 19.08.09

 ،  

*************************

المال والفساد و الوعود

تقول أسطورة صينية بأن شاعرا صينيا كان مقرّبا من أحد الملوك فأراد أن يرفع من شأنه بمنحه منصب وزير، فرفض الاستوزار فعاقبه الملك برميه في النهر، فهرع الشعب إلى النهر ومدوا للشاعر « قصبا » وأنقذوه. واختفى الشاعر.

وحتى يعيد الملك هيبته أمام الشعب ابتدع أكلة للملوك سماها « أكلة ورق القصب »، فصار الصينيون يحتلفون بتاريخ إنقاذ الشاعر من النهر بطهي ورق القصب في شكل « ملفوف » مملوء بالأرز. 

وتقول خرافة جزائرية تنسب إلى المنطقة القبائلية، بأن طفلة اسمها « لينا » كانت تحب الرقص على إيقاع خرير المياه، وكانت تنزل إلى النهر لترقص لكنها تنزع من وجود « نوار الدفلى » لأنه لا يحمل رائحة، وشاهدها أحد الرعاة، فبدأ يجمع الياسمين الأصفر والأبيض ويرميه في النهر قبيل وصول الطفلة. وشعرت وكأن نوار الدفلى صار له رائحة الياسمين. فقدت هوية الرقص والاستماع إلى موسيقى المياه، وراحت تتمتع برائحة الياسمين، وذات يوم نزل ضباب كثيف بالنهر، واختفت أزهار الياسمين وبقي نوار الدفلى يتداخل احمراره في بياضه في خضرته فتساءلت: هل فقدت الإحساس بالموسيقى أم فقد النهر الإحساس بوجودها فأيقظها من حلمها.

مجرد وعود وأحلام!

من حق المواطن أن يحلم، فالحلم هو الأمل الوحيد الذي بقي لديه بعد أن تبخرت الوعود، وصارت البلاد في حالة استنفار لإقامة « الملتقيات والمهرجانات » تحت كلمة « الرعاية السامية » التي أدخلها إلى القاموس السياسي الجزائري المرحوم عبد المجيد مزيان عام 1984 حين صار وزيرا للثقافة وصار ينظم، في مقام الشهيد، ملتقيات دولية تحت الرعاية السامية لـ(معاليه). 

والوعود هي سمة المسؤولين في الجزائر والوطن العربي، باستثناء الشيخ نصر الله الذي سمّى ما أنجزه ضد إسرائيل بالوعد الحق الذي نقلته تلفزة المنار على المباشر وهو يطلق الصواريخ على إسرائيل وبوارجها في المياه الإقليمية اللبنانية.

وانقسم اللبنانيون، خلال الانتخابات البرلمانية ما بين « الترهيب والترغيب »، حتى خيّل للبعض أن وصول الممانعة إلى الأغلبية البرلمانية سيؤدي إلى كارثة على العرب، وبقاء « الموالاة » هو الخيار الأسلم.

ولا أحد تجرأ وقال بأن الديمقراطية في لبنان هي وهم، فهي توافقية، يبقى فيها الرئيس وقائد الجيش مسيحيا ويبقى فيها رئيس الحكومة ورئيس البرلمان مسلمين أحدهما شيعي والثاني سني. ويبقى « الثلث المعطل » هو سلطة من يلتحق بالمعارضة، مثلما هو في البرلمان سلطة المصالح وأصحاب القرار في تعطيل أي مشروع أغلبية.

وها هو الغرب ينظّر لحرب أهلية في إيران ويضخم في المعارضة التي جاءت من باريس ممثلة في موساوي، مثلما جاءت الخمينية قبل 30 سنة من باريس لتسقط الشاه. وتضع الأمريكيين رهائن لدى « الحرس الثوري ».

ليس هناك فرق بين أحمدي نجاد وموسوي، فالإثنان وجهان لعملة واحدة وهي « السلطة الدينية » التي سمحت لأمريكا باحتلال العراق ممثلة في فتاوى العلامة السيستاني.

ومثلما جاء « أوباما » إلى عاصمة الدولة الفاطمية ليعلمنا « سماحة الإسلام »، ها هو أحمدي نجاد يعلمنا، « خطر الغرب » على الإسلام وفلسطين.

هدف الغرب تفكيك إيران وتأليب العرب عليها، وهو الهدف نفسه لأمريكا في الباكستان، حيث دفعت بالسلطة فيها إلى تشتيت أكثر من مليوني باكستاني، تحت شعار محاربة الطالبان التي تتفاوض أمريكا معها في مكان آخر، لا يستطيع أحد أن يمحو « عار غوانتانامو وأبو غريب »، ولا يستطيع أحد أن يعيد للعرب جناح العرب بعد أن بدأه الغرب بتحطيم جناح الجزائر عبر « الإرهاب المنظم » وهو اليوم يقود عمليات نهب منظمة للمال العام عبر ما يسمى بـ(الفساد).

وعود الرؤساء ووعود النواب!

قال عبد الرحمن بلعياط، وهو وزير، في ردّه على أحد النواب حين طلب منه ردا بدون وعود  » لولا الوعود لما كنت أنت نائبا ولا كنت أنا وزيرا ».

والجزائر من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها تعيش منذ 1962 لغاية اليوم على الوعود، حتى أن العقيد هواري بومدين حين قاد الانقلاب على بن بلة في 19 جوان 1965 وعدنا – ومعظم أعضاء مجلس الثورة مايزالون أحياء – بأنه سيصدر كتابا أبيض عن أحمد بن بلة، ومات ولم يظهر الكتاب.

وجاء بعده الشادلي بن جديد وأسقطت طائرة أهم وزير خارجية جزائري، كان يشترط على فرنسا عودة الأرشيف قبل « أي صداقة » بصاروخ مجهول في الحدود ما بين العراق وإيران، وبعد 15 يوما وصلت لجنة تقصي جزائرية وانتظرنا التقرير ولكننا حتى الآن لا نعرف من وراء هذا الاغتيال.

والحقيقة هي الوعود كثيرة والأحلام بدأت تضيق بأصحابها، ونخشى أن تتحول إلى « أوهام » أو « هلوسات » أو « أضغاث أحلام ». ماذا سيقدم المرشحون القادمون في المجالس البلدية والولائية للمنتخبين، في حملاتهم الانتخابية القادمة، هل يعيدونهم بـ(تقنين الفساد) أم بتحويل الشباب إلى شحاذين في الشوارع، أم بتحويل الأرصفة إلى أماكن للتوقف الرسمي مقابل أوراق رسمية، مثلما هو الحال في الشارع الرئيسي والطريق الرابط بين تيبازا وزرالدة.

الاعتقاد السائد عندي هو أن الإخوة في السعودية كانوا قد تنبهوا لهذه الفكرة فبنوا شوارع بعض المدن دون أرصفة، والجزائريون حين بنوا الأرصفة لم يحترموا المقاييس الدولية فصارت أماكن للوقوف.

مشكلة الجزائر هي أنها متعددة الوجوه والأطراف، فالكل يصير انتهازيا أثناء ركوبه السيارة، بحيث أن سائقي السيارات يتسابقون في الطريق السيار والطرق الصغيرة على عدم احترام قانون المرور، والسلطة تختلق « خطوطا زرقاء » دون أن تقننها، وتدفع بالشرطة إلى سحب أوراق السائقين دون وجود « مادة قانونية ».

حالة الطوارئ والحريات المفقودة

مادامت السلطة الجزائر متمسكة بحالة الطوارئ فلا يمكن تطوير العمل السياسي والنقابي وحتى المدني. 

لو ألغيت حالة الطوارئ لربما نبدأ عهد احترام الحريات العامة، ونعيد للجزائر نشاطها وحيويتها.

ولا أبالغ إذا قلت إنني أحلم بأن يعدنا بوتفليقة برفع حالة الطوارئ وفتح المجال لاعتماد الأحزاب، ودعم استقلالية العدالة، وإنهاء عودة فكرة « المحاصصة » في السياسة. 

وربما عندئد سيكون لنا شاعر مثل شعراء الصين وتعود « لينا » إلى عادتها القديمة وهي الرقص على إيقاع خرير المياه.

- الشروق 18.06.09.- بقلم عبد العالي رزاقي 

*************************** 

برلمان « الهيئة التنفيذية »؟

من المنتظر أن يصدر أحمد أويحي تعليمة للولاة قبل 15 جوان القادم تلزمهم باستقبال النواب وإطلاعهم على »الإنجازات«، شريطة تقديم طلب مسبق للولاة

سفير بدرجة مراقب

قال السفير الأمريكي الجديد ديفيد بيرس، إن الجزائر تتوفر على فرص استثمار هامة إلا أن « عراقيل إدارية وبطء لإجراءات الجمركية، وغياب الشفافية تحول دون ذلك »، وهذا يعني أنه وضع أصبعه، كمراقب للوضع الجزائري، على مأساة حقيقية. لكن هل يحق لدبلوماسي أجنبي أن يتدخل في الشأن الجزائري؟ ليس ديفيد هو السفر الأول الذي يتدخل في الشأن الجزائري، فمعظم سفراء الدول العظمى مثل بريطانيا وفرنسا يتدخلون في الشأن الداخلي، لأن السلطة في الجزائر أصبحت فاقدة « الأهلية » حتى تضع حدّا لمثل هذه التدخلات.

وهذا لا يعني أن السفير أخطأ في تقييم الوضع. إنما لأنه يتعامل مع السلطة وكأنه وصيّ عليها. والسلطة التي تنقذ شركات أجنبية من الإفلاس، ولا تستطيع أن تنقذ نظيرتها الجزائرية من الوضع نفسه، فهي سلطة إدارتها تمثل أرقى أشكال الإرهاب للمواطنين، وهيئتها التنفيذية لا تملك الشفافية في تعاملاتها مع الخارج ولا في الصفقات. 

لو كانت السلطة تراعي مصلحة البلاد لما دفعت بالمستثمرين العرب إلى الهروب، وحوّلت البلاد إلى سوق تجارية أو بتعبير آخر « بازار » في الوقت الذي كان يفترض أن تتحول إلى ورشات عمل.

من حق الأمريكي والفرنسي والبريطاني أن يستفيد من « احتياطي الجزائر من العملة الصعبة » لمواجهة الانهيار الاقتصادي، ولا أستبعد أن يصبح الشعب الجزائري رهنية البنوك الأجنبية بسبب البيروقراطية التي يتحدث عنها الأجانب. 

ربما يقول الوزير الأول، هذا الكلام مبالغ فيه وتهويل، فالجزائر بخير وبرنامج الرئيس الذي بدئ في عام 1999 سيستكمل في العهد المالية، والجزائر مقبلة على تحولات كبيرة. لكن السؤال:

في أي اتجاه؟ 

نواب في خدمة الحكومة

حين يلزم الوزير الأول ولاة الجمهورية بضرورة استقبال نواب البرلمان، أتساءل: هل النواب أقلّ درجة من الولاة والوزراء أم العكس؟ وحين يربط الاستقبال بـ»الإنجازات« وبإخطار النواب للولاة، تحضرني قصص غريبة من عهد الحزب الواحد، وأخرى من عهد التعددية. ففي عهد بومدين كان الصحافي لا يحق له إجراء تحقيق في المؤسسات إلا بعد إخطارها مسبقا.

وبالمقابل، لا يستطيع أي وزير رفع دعوى قضائية ضد صحافي إلا بموافقة وزير الإعلام والثقافة. ولهذا لم نسمع بصحافي سجن في الحزب الواحد أو تمت مقاضاته من الهيئات العمومية. أما في عهد التعددية فقد تغيّر الأسلوب، بحيث صار الوالي يهدد هيئاته المنتخبة بالصحافيين والوزير الأول صار يهدد ولاته بـ »البرلمان »، متجاهلا ما يسمى بالحصانة البرلمانية.

في عهد الحزب الواحد كان جواز سفر البرلماني أحمر، ولا يستطيع أحد تفتيشه في مطارات الجزائر أو العالم. أما اليوم، فقد اختفى جواز السفر الأحمر، وصار البرلماني مثل المواطن يتدخل الوزير الأول بتعليمة حتى يستقبل في الولاية التي انتخب فيها. أوَليست هذه من « عجائب السياسة في الجزائر ».

كان يفترض أن يدرج الوزير الأول في مرتبة الولاة حتى يحترموا أو يحظوا باستقبال زملائهم. أما أن يكونوا معيّنين من الرئيس ومنتخبين من الشعب ويحتاجون إلى تعليمة لتسهيل مهماتهم فهذا عجب العجاب. 

قبل سنوات كان الوالي في خدمة نواب « الطوارق » واليوم صاروا مثل زملائهم في بقية الولايات الـ48 التي ستصلها قريبا تعليمة أحمد أويحي.

إذا لم تستح فافعل ما شئت!

إذا أردنا أن نعيد الاعتبار للسلطة في الجزائر فيجب البدء بمحو الأمية بكثير من أسلاك الأمن في التفريق بين أعضاء السلطات الثلاث أثناء تنظيم المرور.

وأن نجبر الولاة على إصدار كشفٍ سنوي لنفقات الولاية ومنجزاتها ومشاكلها.

إذا كان الباحث لا يستطيع الحصول على المعلومات التي تخدم البحث العلمي، فكيف للبرلماني أن يحصل على ما يريده من الوالي.

تعليمة الوزير الأول تؤكد ما قاله السفير الأمريكي، لكنها مؤشر على إنهاء مهمات البرلمان. وهي لا تختلف عن تعليمات وزير العدل إلى القضاة وبالتالي فهل نقرأ الفاتحة على سلطتي التشريع والقضاء، ونبارك السلطات الجديدة مجسّدة في الدبلوماسية الغربية، والإرهاب المتحاور معه، وأصحاب « الرشقة » التي رأيناها في مقر البرلمان، وسماسرة الصفقات، و »مافيا » تهريب المخدرات والسلاح؟

أعتقد أن الوزير الأول بدأ يبسط يده على جميع المؤسسات والهيئات ولم يبق له إلا أن يوجه تعليماته للسلطات سالفة الذكر حتى لا تتعدى على « حرمة البيوت »، أو رواتب الفقراء.

عبد العالي رزاقي – الشروق28.05.09

****************************

« ضربٌ » من الخيال؟

نزول مستوى النقاش الثقافي وسط « النخبة » إلى حدود الصفع والركل والبصق يمهِّد لموسم جديد من الصراعات التي تقوم على تحالفاتٍ بعضها مشروع وكثيرها غير مشروع. كما أنها تؤسِّس لعنف ملوث بالشتائم داخل عكاظيات الشعر، وفي المسارح، وقاعات السينما، في صورة ساخرة تجعل من العنف في الملاعب أرحم بكثير من مستوى الصفع النخبوي والركل الثقافي و »الدبزة العلمية »؟!

شاعر يصفع آخر، وفي حضور شاعر لبناني كبير، ثم شاعر يجرجر آخر إلى مخفر الشرطة والمحاكم، فماذا تبقى من هيبة الشعر والشعراء؟ وما قيمة التنظير الذي يتبعه التمنشير؟! وما جدوى العكاظية إذا أحيت فينا قيم الجاهلية الأولى فقط ومعارك الآباء الأولين؟!

 ما يحدث من حراك ثقافي يبشر بكثير من الأمل، وما يمنحه الضيوف الأجانب من دلائل على استمرار الفرح في بلدنا يحتاج إلى تثمين، لكن ما يقوم به بعض المحسوبين على الثقافة وزمرة المثقفين منا وفينا، لا ينبغي أن نقابله سوى بمزيد من الصفعات على أمل انسحاب نفوسهم الأمارة بالسوء من الساحة، وتنحيها جانبا، لأنها أضحت نفوسا مظلمة وظالمة ومظلومة؟!

 قبل أيام، أخطأت اليتيمة حين بثت نقاشات النواب، وسمحت لأحدهم باستغلال الميكروفون المفتوح ليصف زملاءه تحت قبة البرلمان، هؤلاء الذين يقاسمونه عقدة الشرعية والرواتب الثقيلة، بكلمة قد لا نسمعها حتى في أكثر الأسواق الشعبية اختلاطا، أو في أكثر المواجهات الكروية سخونة وتضييعا للأعصاب، كتلك التي يسمونها مقابلات « الداربي » وتُمارس تحتها كل أصناف الضرب فوق الحزام وتحت الحزام؟! لكن هل فعلا أخطأت اليتيمة في البث؟ أو أخطأ الشعب في اختيار النواب؟ أو أخطأ الإثنان معا، ولا نقول أخطأ الثالث، طالما أن النواب يتمتعون بحصانة سلطوية ضد الخطأ وضدّ الخطيئة؟!

 معارك الضرب تحت الحزام، تذكرنا أيضا بما وقع بين شخصيتين ثوريتين، كبيرتين جدا، في نظرنا نحن على الأقل كجيل الاستقلال، لكن ظهر بعد نقاشهما الذي عانق الحضيض، ووصل حدّ الإسفلت، أن الكبير فقط هو الله، وأن ما دونه جميعا لا يساوي حبّة خردل في هذا الوطن الذي أجرم في حقه الكبار قبل الصغار، والمثقفون قبل المعدمين؟! 

الشروق-26.05.09 

************************************** 

عندما تضلّل الأحزاب مناضليها

 بقلم عبد العالي رزاقي

عندما ارتفعت أصوات قادة الأحزاب والمجتمع المدني، في العام الماضي، تطالب وتناشد وتترجّى بوتفليقة للترشح لعهدة ثالثة، تساءلت: أوَليس الأحرى بهم مطالبتهم بتعديل الدستور أولا، وتنبهت الرئاسة إلى هذا الخطأ فأعطت تعليمات لوسائلها السمعية البصرية لتغير « رنّة الأغنية »، فصارت تطالب بتغيير الدستور. وها هو السيناريو يتكرر بمطالبة بعض الأحزاب الرئيس بحل البرلمان متجاهلة الدستور الذي لا يخوّل له ذلك، وإنما له صلاحية حل المجلس الوطني الشعبي فقط.

المطلوب توفير النساء

فرض بوتفليقة على الأحزاب على أن يكون ثلث مرشحيها من النساء، وهذا الكم من النساء لا يتوفر إلا في الأحزاب الإسلامية. وبالتالي فقد اتبع الرئيس نهج دستور 1996 الذي أنشأ سابقة في الديمقراطية وهي « الثلث الرئاسي » المعطّل للبرلمان.

وربما أحد الأسباب التي جعلته لا يشكل حكومة جديدة هي أنه لم يجد « الثلث النسوي » المطلوب توفيره في الحكومة الجديدة من ممثلي الأحزاب.

يبدو لي أن « تثليث » المجتمع السياسي هو تكريس لواقع لغوي يفترض أن ينتبه إليه المشرّع الجزائري، وهو أنه يشرع باللغة الفرنسية، ويقوم بترجمة النصوص القانونية إلى العربية، فيتم تضليل العدالة، وحين شرّع « قانون الأسرة » بالعربية انتقل إلى تضليل الرأي العام الخارجي بأن الإسلام لا يحترم المرأة فصارت « العدة » مترجمة إلى الفرنسية بـ(التقاعد).

إذا كان الرئيس يريد إعادة الاعتبار للمرأة في الجزائر فعليه بمحاربة المفردات التي تنقص منها في اللغة الفرنسية أولا، لأن النصوص التشريعية تكتب بها ولنأخذ مثلا المذكر والمؤنث، فإذا كان هناك مائة امرأة مع رجل، فإن الفعل يكون ذكوريا؛ بمعنى أننا نستعمل (ils) وليس (elles)، وهو منطق اللغة العربية نفسها. وحتى لا تكون المرأة « نائبة » و »مصيبة » وغيرها من الكلمات الذكورية الأصل، فعلى الرئيس إنشاء لجنة لمراجعة اللغة، وتنقيتها من « الاستخفاف » بالمرأة.

المشكلة في الدستور وليس في البرمان

ارتفعت مؤخرا أصوات تطالب الرئيس بحل البرلمان لأنه « لا يمثل الشعب »، ووقع جدل بين المدافعين عن حلّه والرافضين لذلك.

وكل طرف يمارس التضليل والتعتيم على المواطن حتى لا يعرف مواقع الخلل في النظام الجزائري، وكأن المشكلة سياسية، والعيب في النواب وليس في الدستور الجزائري.

والحقيقة هي كالتالي: أولا البرلمان الجزائري يتكون من غرفتين الأولى تكون عبر الانتخاب المباشر من الشعب، والثانية تتألف من صنفين من النواب وهما الأعضاء الذين يعينهم الرئيس وعددهم 48 عضوا، والأعضاء الذين ينتخبون من أعضاء المجالس المحلية وعددهم 96 عضوا، وهذه الغرفة لا يخول الدستور للرئيس حلها. بل إن الثلث الذي يعينه أو بتعبير أدق تختاره المصالح يسمى بالثلث المعطل، فإذا لم يصوت على أي قانون لا يمرّ. ومن يتحكم في الثلث الرئاسي يتحكم في البرلمان بغرفتيه.

وإذا لم يتغير الدستور فلا معنى لوجود النواب في الغرفتين.

لقد جاءت السلطة بالثلث المعطل تفاديا لأي أغلبية برلمانية محتملة، ويقول الدكتور محي الدين عميور، وهو عضو من الثلث المعطل أن دستور 1996 « ينطلق من خلفية واحدة هي إغلاق الباب أمام تحكم اتجاه سياسي معيّن » ويصف الدستور بـ »الخنثى  » فلا هو رئاسي ولا هو برلماني » (كتاب لله وللوطن ص:340). 

فهل جاءت الدعوة إلى حل البرلمان أو الإبقاء عليه لتضليل الشعب أم أنها مجرد عملية تضليلية تقوم بها قيادات حزبية « لذر الرماد » في عيون مناضليها.

إذا بقينا نتعامل مع « المرأة » كحصة أو « كوطة » في النظام السياسي، فالأفضل أن نعود إلى منطق الحزب الواحد الذي كان أكثر فاعلية مما يطرح علينا الآن.

فالدستور الذي ولد في عهد زروال أعادنا إلى مرحلة ما قبل دستور 1976، لأنه جرّد الأحزاب من مضامينها الإيديولوجية والعقدية، بحيث لا يوجد حاليا في بلادنا حزب إسلامي أو عروبي أو أمازيغي وما هو موجود هو هياكل حزبية من بقايا تعددية دستور 1989.

الاعتراف سيد الأدلة

أعترف بأنني لم أعد قادرا على استيعاب أن جبهة التحرير الوطني ترفع دعوى قضائية ضد إبن شهيد، لأنه اتهم أمينها العام بأوصاف ليست من شيمته، وأعترف أنني أعجز عن فهم أقلام تسيء إلى الأموات أو من هم على أبواب الرحيل، بعد أن كانت في خدمتهم ذات يوم.

وأعترف بأنني لا أستوعب أن يتقاسم سلطاني ومناصرة قميص المغفور له الشيخ محفوظ نحناح، ويدعي كل طرف أنه « قميصه » وهما لم يستطيعا حتى جمع حوارات وتصريحات وبيانات وخطب الشيخ في كتاب يبقى ذكرى، أو يقيما ملتقى دوليا حول فكر محفوظ نحناح يجعل من الشيخ رمزا لـ »الوسطية » في الإسلام.

وأعترف بأن ما يسوّق حاليا على مستوى الجدل السياسي هو مجرد تضليل إعلامي، لأن النواب في الجزائر يفقدون « عذريتهم » بمجرد حصولهم على « بطاقة الحصانة » التي لا تسمح لهم بنيل « جواز سفر أحمر »، كما كانت في عهد الحزب الواحد.

وأعترف، وهذا سيّد الأدلة، أن الإهانات التي تلحقها شرطة الحدود الأجنبية بنوابنا في الخارج أكثر مما يلحق بالمواطن العادي.

وإذا كان النائب يُهان في المطارات الدولية والوزراء يفتشون والكل راضٍ بالذّل فهل تجديد البرلمان هو لإذلاء مواطنين آخرين أم أن 30 مليونا هي التي تدفع الأحزاب إلى المطالبة بالحل، وتدفع الأحزاب الأخرى إلى الاعتراض خوفا من فقدان الراتب، علما بأنه تم تعميمه على جميع النواب المتقاعدين من عهد أحمد بن بلة إلى اليوم.

المؤكد أن الهدف هو أن الأحزاب تنال من خزينة الدولة على كل « رأس نائب » ما يقارب من راتبه الشهري، وبالتالي فالهدف هو « خزينة الحزب » وليس الحزب ولا مناضليه.

فلماذا لا نعترف بأننا لا نملك أحزابا وإنما « سماسرة » في السياسة، ولا نملك وزراء وإنما تجار صفقات، ولا نملك مواعيد انتخابية وإنما « حفلات زردة ونهب للمال العام ». 

لو أن هناك من يحترم نفسه، ويتحمل مسؤوليته ممن ترشحو للرئاسيات أن يقدموا كشفا للرأي العام حول الأموال الموظفة في الحملة. ولو أن هناك معارضة في الجزائر لألتفّ حولها الشعب. أعتقد أنني حتى الآن لا أعرف موقفا معلنا وثابتا غير موقف عبد الحميد مهري وعلي بن حاج وطابو. أما بقية الأصوات فهي تراعى « الربح والخسارة » في ظهورها أو اختفائها. ومن يفكر في تحويل « العزة والكرام » إلى مجرد « أوراق صحفية » عليه أن يدرك أن العزة والكرامة ليست شعارا نبيع به « الأخبار والمساندة » لأنهما ضمير الشعب الذي لا يستطيع أحد انتزاعه منه. فمتى تدرك الأحزاب أنها تقوم بحملات تضليلية لمناضليها مثلما تقوم بعض وسائل الإعلام بالحملة نفسها في مناسبات معينة.

الشروق-21.05.09.

*********************************

صوت المعارضة غاب في مناقشة مخطط عمل الحكومة

رغم أن عدد النواب المسجلين في قوائم المتدخلين لمناقشة مخطط عمل الحكومة قد حطم رقما، قياسيا، مقارنة بنفس المواعيد السابقة، إلا أن السواد الأعظم منها سارت بما تشتهيه رياح سفينة الوزير الأول أحمد أويحيى الذي لم يتعرض لأي انتقاد حول مخططه وكان كل ما واجهه هو  »برودة ورتابة التدخلات » ليس إلا.
 رغم تمديد آجال مناقشات النواب بيوم كامل عما كان مبرمجا من قبل مكتب زياري في وقت سابق، لتمكين كل النواب المسجلين من تناول الكلمة، إلا أن درجة النقاش داخل المجلس الشعبي الوطني لم ترق إلى مستوى الحرارة في الخارج المعلن عنها من طرف مصالح الأرصاد الجوية. وإذا كانت تدخلات نواب الجبهة الوطنية الجزائرية، وهو حزب معارض حسب رئيسه موسى تواتي، لم يكن من السهل التفريق بينها وبين مرافعات نواب الأفالان، لكونها لم تخرج عن نطاق تثمين برنامج رئيس الجمهورية ودعم مخطط الحكومة، فإن تدخلات حزب العمال لم تستطع أن تتجاوز حالة التشنج والصدام مع رئيس المجلس الشعبي الوطني عبد العزيز زياري المتهم من قبل لويزة حنون بمحاولة  »تفتيت » كتلتها البرلمانية. ووجد حزب العمال منشغلا بالرد على خصومه أكثـر من مناقشته لمخطط عمل الحكومة، وهو ما جعله يدخل في ملاسنات بين نوابه ونواب الأفالان الذين أطلقوا النار على لويزة حنون التي مازالت تعيش -حسبهم- في عهد الحزب الواحد. وهذه التدخلات لحزب العمال والتدخلات المضادة لنواب الأفالان جعلت الوزير الأول أحمد أويحيى في موقع مريح بعيدا عن هذا التراشق الشبيه بصراع  »الديكة ».
ورغم أهمية مخطط الحكومة الذي تتوزع من خلاله ميزانية ضخمة بأزيد من 150 مليار دولار، غير أن صوت أحزاب المعارضة لم يسجل له حضور، وهو أمر لم يحدث مثله في المواعيد السابقة التي كانت فيها تلك الأحزاب تفرض حضورها على الأقل من باب رفع حرارة النقاش. ولعل هذا الأفول لنواب المعارضة المنشغلين بإدارة انشقاقاتهم الداخلية، على غرار ما يمر به حزب الأفانا والأرسيدي وبدرجة أكبر حزب العمال الذي هجره عدد كبير من النواب ومنتخبيه المحليين، هو ما جعل 4 أيام من مناقشات النواب وكأنها تصدر من كتلة واحدة موجودة في المجلس الشعبي الوطني الذي يحصي 7 كتل برلمانية. وقالت مصادر برلمانية إن حالة الرتابة التي ميزت المعارضة لم يكن يتصورها نواب التحالف الرئاسي الذين ينتظرون مداخلات نواب الأرسيدي الذين فضلوا تسجيل أنفسهم في ذيل الترتيب حتى لا تذوب أصواتهم وسط نواب الأغلبية، مما يغذي الانطباع بأن الوزير الأول لن يبذل مجهودا كبيرا في تحضير أجوبته لأن ما طرح عليه كان ثناء ومدح و »شيتة » أكثـر منه أسئلة حقيقية وانشغالات عامة

 الخبر-22.05.09..

 *****************************

جمهورية أصحاب المعالي

أثار تجديد الثقة في حكومة أحمد أويحي الكثير من التساؤلات، بالرغم من أنه نال ثقة اليامين زروال في عهدة أولى، ونال ثقة بوتفليقة في ثلاث عهدات.

لم يتساءل أحد لماذا « جمّد الرئيس » الحكومة ثلاثة أسابيع، بعد أدائه اليمين الدستورية؟ ولم يستغرب أحد من نزول بيان الرئاسة، في أوقات غير الأوقات التي كان يتم فيها الإعلان عن الحكومة. ولم يتساءل أحد: لماذا قدم أحمد أويحي استقالته إلى الرئيس والدستور لا يجبره على الاستقالة، فالرئيس هو المخوّل بتجديد الثقة أو إنهاء المهمة فكيف نقرأ ما جرى؟ ولماذا رفضت قوائم الائتلاف الحكومي؟ ومن وراء خروج أبو جرة سلطاني منتصرا؟

  الأجندة الدولية والمقتضيات الوطنية؟!

حين تبرر الرئاسة الإبقاء على الوزراء في مواقعهم بحجة وجود »الرزنامة الدولية والمقتضيات الوطنية« يتساءل المرء: هل أصحاب القرار في حاجة إلى التبرير أم أن هناك »رسائل مشفرة« إلى جهات أخرى.

المؤكد أنه لم يعد للوزارات معنى، بصفتها مؤسسات تابعة للدولة، لأن الأهم منها هو الوزير. وهذا منطق غريب، لم يسبق للجزائر أن تعاملت معه، فالوزير يمثل »السلطة المؤقتة« أما الوزارة فتمثل المؤسسة الرسمية الباقية والثابتة.

وإعطاء أهمية للوزراء على حساب الوزارات قد يؤدي لاحقا إلى إلغاء هذه الوزارات، والدليل أن الوزراء غابوا ما يقرب من ثلاثة أسابيع عن الساحة، ولم نشعر باختفائهم أو بعودتهم.

أعتقد أن عدد الوزراء الذين قدمت أسماؤهم إلى رئاسة الجمهورية باسم أحزاب الائتلاف الحكومي أكثر بثلاث مرات من وزراء الحكومة الحالية، ومع ذلك لم يجد أحدهم منهم طريقه إلى الحكومة؛ لأن أحزاب الائتلاف لم تستوعب بعد أنه يصعب على الرئيس تعويض أسماء مثل (يزيد زرهوني أو عبد الحميد تمار أو عبد مالك قنايزية أو شكيب خليل أو مراد مدلسي).

وربما يتذكر البعض أن بوتفليقة استعصى عليه عام 1999 إيجاد إطارات لحكومته الجديدة، فاضطر أن يجدد الثقة في حكومة اسماعيل حمداني لعدة أشهر، وحين وجد أحمد بن بيتور وكلفه بالحكومة لم يستوعب رئيس الحكومة أن يكون مجرد »خضرة فوق طعام«، فاستقال، وهو ما دفع ببوتفليقة إلى الرهان على مدير حملته إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل العربي.

ولهذا فالتبرير الذي جاء في بيان رئاسة الجمهورية ليس موجها لأحزاب الإئتلاف وليس للوزراء الذين تم الاتصال بهم، ولكن لأصحاب القرار، وهو أن الإبقاء على الحكومة الحالية هو الذي يضمن الولاء والطاعة للرئيس وليس للجهات الضاغطة أو أصحاب الحل والعقد، وهو ضمان لأمن أصحاب النفوذ.

التداول على الحكومة « النَّاقصُ« 

يقول العارضون بالشأن الجزائري إن التقارب بين أحزاب الائتلاف وصل إلى مستوى التداول على رئاسة »التحالف الرئاسي«، سعيا إلى التداول على الحكومة، إلا أن جهات في السلطة استطاعت أن تدفع بالأجنحة المتصارعة حول الولاء للرئيس إلى الانشقاق والانفصال في حمس وذلك حتى لا تستطيع حركة مجتمع السلم أن تضغط أو تمارس حقها في أن يكون لها دور في رئاسة الحكومة بعد أن ترأسها عبد العزيز بلخادم (الأمين العام لحزب جبهة التحرير)، وتداول عليها مرتين أحمد أويحي (الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي). وكان مطلب المنشقين هو انسحاب أبو جرة سلطاني من الحكومة لممارسة الضغط بهدف تحقيق التداول.

لكن يبدو أن سلطاني لبّى الدعوة متأخرا، فصنع الحدث بخروجه من الحكومة، ولكنه يصعب عليه العودة إليها. لأن قيادات الأحزاب مع »الزعيم الواقف«.

خطأ حركة مجتمع السلم، في نظر المراقبين، هي أنها »فرضت« مرشحا للرئاسيات محسوبا على التيار الإسلامي حتى لا تُبقي »الكرسي الإسلامي« فارغا، وهذا السلوك اعتبره البعض تشويشا على الرئيس. فهل يستطيع سلطاني أن يعود »لمّ الشمّل«، بعد أن تكسّرت الجرّة؟

 الفرنسيون قادمون

من المفارقات أن الحكومة جمّدت أهم نشاط ثقافي وفكري في الجزائر، وهو نشاط المكتبة الوطنية، وعوضته بـ»التنشيط الثقافي« وشهور »الكرنفال القادمة«.

ولعل هذا ما دفع بالمركز الثقافي الفرنسي إلى إعادة إحياء الحياة الثقافية باختيار موضوعات ماتزال »طابو« لدى السلطة، وهي التاريخ »المشترك« بين الجزائر وفرنسا. وقد حضرت ندوة بين محمد حربي وبنجامين ستورا نشطها أستاذان يوم الثلاثاء الماضي بالمركز الثقافي الفرنسي. وإذا كان حربي يعترف بأنه »لا يوجد تاريخ حقيقي« متسائلا حول من يقف وراء المدرسة التاريخية الجزائرية، مؤكدا بأن هناك الكثير ممن صنعوا التاريخ استفادوا منه، فإنه مايزال يطرح أسئلة من »عالم كافكا«، ويدعو إلى النظر إلى الخلف بمنظور المفكر المغربي العروي.

وبالمقابل، يقدم »ستورا« أرقاما مضخمة تتراوح بين 4 إلى 5 ملايين فرنسي يشتركون مع الجزائر في الذاكرة التاريخية.

ويعتبر أن أبناء الجالية الجزائرية في فرنسا هم الذين أسسوا لميلاد الذاكرة في مسيرة 1983.

وأن لقاء 40 مؤرخا فرنسيا عام 1988 هو الذي ساهم في بلورة كتابة »تاريخ الجزائر المشترك مع فرنسا«.

وأن الجيل الجديد من المؤرخين، ولد مع فتح الأرشيف الرسمي للثورة الجزائرية عام 1992، ويدعو إلى إنشاء لجنة مشتركة بين المؤرخين الفرنسيين والجزائريين لكتابة التاريخ، وهي الدعوة التي سبق أن ظهرت عام 2004، وتوّجت بقانون 23 فيفري 2005 الذي يعتبر الاستعمار عملا إيجابيا.

ما يؤسف له أن الجزائر صارت مخيّرة بين أن يكتب تاريخها بالفرنسية من المؤرخين الجزائريين الذين يعيشون في فرنسا أو من المؤرخين الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية.

وما يحزنني أن المؤرخين الجدد يتجاهلون كبار المؤرخين الفرنسين أمثال كلود جوليان، فأين المؤرخون باللغة العربية. لماذا يتجاهل حربي كتابات علي محساس باللغة الفرنسية، أو كتابات سعد الله باللغة العربية؟

أعتقد أنه من حقنا أن نتجاهل »الحكومة الحالية« لأن أغلب وزرائها ولدوا في الثلاثينيات من القرن الماضي، الذي يمثل »الازدهار السياسي والإعلامي« والذي عجّل بالثورة، ولم يعجل بالاستقلال، تحررت البلاد ولم تتحرر العقول. وتحررت الحكومة من سباتها ولكنها لم تتحرر من »رقادها«.

فما أحوجنا إلى »جمهورية لأصحاب المعالي« ممن لفظتهم الحكومات السابقة ليكونوا في استقبال أعضاء الحكومة الحالية حين تتحرر من قيودها. وما أحوجنا إلى تجاهل أغنية »من دخل بيت بوتفليقة فهو آمن« لأنها من إنتاج أحزاب الائتلاف التي غلقت »المجال السياسي«، وها هي بدأت تتفكك.

ولو أن كل حزب حافظ على بيته من »التصدع«، لما وصل بنا إلى عدم استيعاب ما يجري في جمهورية »معالي الوزراء«.

عبد العالي رزاقي-29.04.09.الشروق

2 réponses à “تعاليق الصحافة”

  1. 15 09 2011
    chaos faction forum (15:18:18) :

    Just wanna comment that you have a very decent web site , I enjoy the design it actually stands out.

  2. 18 09 2011
    Getting to Pisa (07:40:46) :

    Thank you for the auspicious writeup. It in fact was a amusement account it. Look advanced to far added agreeable from you! By the way, how can we communicate?

Laisser un commentaire




Génération Citoyenne |
machinesabois |
1954-1962 : "Hed Thnin !" |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | ruecanonge.monde
| FCPE Lionel Terray
| LUGAR DO DESENHO-LIEU DU DE...