العروشية

30 08 2009

 « العروشية » تكسر أحكام الشريعة وتحرم المرأة من حقها في الميراث

الميراث يفكك الأسر الجزائرية ويدخلها في صراع طويل مع المحاكم

أرامل يجبرن على الزواج من أشقاء أزواجهن حتى لا يحرمن من الميراث!

أشقّاء يتحايلون على بعضهم بالوكالة و »الفريضة » للظفر بأكبر حصة.. ومواريث عالقة لأكثر من 17 سنة!

استطاعت قضية الميراث وتقسيم التركة أن تخلق العداء بين المئات من ذوي الأرحام، وتقطع بينهم حبل القربى لتوصله بقاعات المحاكم التي تشهد نزاعاتهم حول نصب متباينة من تركة المتوفى، يتحايل فيها القوي على الضعيف بوثائق مزورة تُدخل الورثة في دوامة الإجراءات القانونية التي قد لا تنفضُّ إلا بهلاك شخص آخر يُفسد القسمة ويعيدها إلى نقطة الصفر.

المحاكم الجزائرية تعجّ بالمطالبين بنصيبهم من الميراث وينتظرون إحقاق الحق من عدالة القضاء ويتعثرون ببطء التطبيق والوصول إلى الحكم النهائي، إنها لعبة المصلحة التي ترجح الاستفادة من الميراث إلى أن تفصل المحكمة في قسمته النهائية، وعتبة الانتهاء عن أكل المال الحرام تظل مؤجلة في أسر اشترت العداء والبغضاء والضغينة بحفنة من الدراهم، لو دامت لصاحبها ما وصلت إليهم.

يتميز قانون الأسرة الجزائري بنقل جزئه المتعلق بالمواريث نقلا حرفيا من القرآن الكريم من سورة الفرائض، وهي سورة النساء، وبالتالي فإن القاضي ملزم بتطبيق تلك الأحكام؛ أي أنه سيحكم بأحكام الشريعة الإسلامية.

لكن هناك أحكاما ترد على غير الشريعة الإسلامية في تقسيم التركات؛ لأن القاضي يعالج القضية من خلال الوثائق، ولأن الوثائق يمكن التلاعب بها من خلال بعض الورثة، حسبما أفادنا به المحامي لدى مجلس قضاء الجزائر الأستاذ إبراهيم بهلولي، وبالتالي فهناك قسمات تكون جائرة بناء على عقود الملكية التي لا تعترف بأشخاص آخرين، والتي يلجأ فيها ورثة المتوفى إلى التزوير. وفي هذا الصدد يروي لنا الأستاذ بهلولي أن ورثة تقدموا للمطالبة بميراث أبيهم لدى المحكمة، وقدموا فريضة تضمنت أسماء أفراد العائلة، إلى أن تبين في الأخير أن المتوفى متزوج من امرأتين، وأن من رفعوا الدعوى القضائية قدموا فريضة مزورة تقتصر على أولاد الزوجة الثانية فقط، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه يجب التحقق من الفرائض التي تقدم على مستوى المحاكم؛ لأنها أصل أغلب المشاكل التي تحدث في تقسيمات الميراث، وهي التي تجعل القاضي يخطئ في إصدار الأحكام الصحيحة بخصوص القسمات العادلة للميراث.

عقود الهبة وقضايا الحجر وتزوير الوثائق تخلط الأوراق

وأكد الأستاذ بهلولي أيضا أن عقود الهبة التي يمضيها الرجل المشرف على الموت هي أكثر ما يخلط أوراق القانونيين ويبطل قسمة التركة في أغلب الأحيان لمّا تكتب التركة كلها على اسم شخص واحد.

وذكر المحامي لدى مجلس قضاء الجزائر أن من بين الحيل التي تتخذ أيضا من أجل حرمان بعض الورثة من حقهم الشرعي في الميراث، هو الحجر على صاحب الملكية، وبتعيين قيِّم على ممتلكاته وتسييرها، وهنا يتسنى للمسيّر أن يحوّل كل الممتلكات لصالحه حيال تعيينه قيّما على تصرفات المحجور عليه.

ولأن قرارت الحجر لا تقبلها المحكمة إلا من أطباء محلفين، فإنه لا يمكن الطعن فيها حتى وإن اعتمد أولئك الأطباء على خبرات مزوّرة لم يتحرّوا فيها الحقيقة، يقول المحامي بهلولي، ولا يمكن نقضها إلا بنقض من الورثة أنفسهم، ولكن لا يمكن استرجاع أي شيء مما تم استغلاله من طرف أحد الورثة؛ لأن المحكمة لا تملك أي سلطة عليه قبل رفع الدعوى القضائية.

وذكر محدّثنا أن أكثر ما يعقّد إجراءات الميراث في الجزائر وفي الوطن العربي بصفة عامة هو اقترانه بالعقار، وهذا ما جعل عدد قضايا العقار تتضاعف في المحاكم الجزائرية، والتي لا يتفق الورثة عادة على طريقة تقسيمها أو تقييمها نقدا، وذلك ما يؤدي إلى اتخاذ إجراءات قضائية تطيل إصدار الحكم الابتدائي بالقسمة، والذي يتم في أغلب الأحيان نقضه، وهو ما يجعل الفصل في القضايا يدوم من 2 إلى 3 سنوات في القانون الجديد بعد أن كان يتراوح ما بين 3 إلى 4 سنوات في القانون القديم. ويزيد على ذلك أن أغلب الورثة يودون الاستفادة من حصصهم من العقار ذاته رافضين أن يتم تقييمه نقدا، في حين أن التقسيم على أساس التقييم النقدي هو أحسن طريقة لفك النزاع حول الميراث، يقول محدثنا.

وينتهج بعض الورثة حاليا حيلة التلاعب بالوثائق القانونية من تزوير وإخفاء لعقود الملكية بغرض حرمان بقية الورثة من حصتهم في الميراث، حسبما ذكره الأستاذ بهلولي، ومن بينهم تزوير الوكالة التي يمنحها الورثة لمن ينوب عنهم من أجل القيام بالإجراءات اللازمة لقسمة التركة، إلا أنه من بين الورثة من لا يحافظ على هذا العهد الكتابي ويستغل الوكالة أسوأ استغلال، مثلما حدث في إحدى القضايا المعروضة على المحاكم، حيثُ قام الموكل ببيع جزء كبير من الميراث وقبض ثمنه خفية على أشقائه الأربعة، وتم رفع دعوى قضائية ضده بتهمة خيانة الأمانة والاستيلاء على التركة بموجب المادتين 376 و363 من قانون العقوبات، وتم تغريمه ولكن بمبلغ لا يعادل حتى ثلث التركة التي باعها.

ومن بين الأسباب التي تجعل قضايا الميراث تستغرق وقتا طويلا في المحاكم إثبات الوثائق والتحقق من شرعيتها، وكذا الوضعيات القانونية المتغيرة والطارئة كوفاة واحد من الورثة أو نقض الحكم، وهي أسباب تطيل الإجراءات، وكل هذا يفضي إلى نفس النتائج، سواء لجأت العائلات إلى المحاكم أم لم تلجأ، وهذا ما يؤدي إلى كون أغلب المواريث لا تزال عالقة دون تسوية.

الأحكام العرفية تتجاهل الأحكام الشرعية وتحرم المرأة من نصيبها

مصادر متخصصة في الميدان القضائي كشفت لنا أن مناطق كثيرة في جزائرنا العميقة تحكم بعقلية العروشية والأعراف بخصوص الميراث على ما فيها من جور، وتتجاهل الأحكام الشرعية وما تفرضه من وجوب استفادة كل فرد من نصيبه المقسوم له في تركة الهالك. إنها شهادة الكثيرين ممن يقطنون هذه المناطق، حيث تحتكم بعض الأعراش إلى أنه لا حق للمرأة في الميراث، خاصة إن كانت هذه الحصة هي قطعة أرضية، وذلك لقيمة الأرض لديهم وحرصهم على أن تبقى في كنف العائلة، كما لو أنها فرد منها! فتقسم التركة بين الذكور وتحرم المرأة من أي جزء منها لتبقى التركة داخل نسيج العائلة ولا تبرحه للغريب المتمثل في زوج المرأة، ليبقى نصيبها من هذا الحق المشروع بعض الصدقات في أحسن الأحوال.

تسوية وضعية العقار يسهل الفصل في قضايا الميراث

في هذا السياق، اقترحت بعض الأوساط القانونية أن تسوّى الوضعيات القانونية لحمل العقارات ذات السندات العرفية التي ليست لها عقود رسمية، مع ضرورة إجراء جرد عام ومسح لمختلف العقارات الشاغرة والتابعة لأملاك الدولة ودواوين التسيير العقاري، وتسوية وضعيتها وجعلها في عقود الشاغلين والمالكين، وذلك لوضع حد لتنامي قضايا الميراث في المحاكم الجزائرية والتقليص من مدة بقائها في المداولات وغيرها، واعتبر بعض المحامين في هذا الاتجاه أنه ليس هناك أحسن من الوصية حتى نتجنب الاستثمار في المشاعر في فترات عجز الهالك وتحول كل ممتلكاته إلى واحد من الورثة فقط، ليستأثر به بعد وفاة المالك، موضحا أن توزيع الميراث للموروث في حياته يطبق قانونا على أنه هبة وليس تركة، لأن هذا لا يجوز شرعا، ولأن قانون الأسرة في مجال الميراث مستوحى من الشريعة الإسلامية وليس من غيرها من القوانين الوضعية.

السيد براجع (رئيس الغرفة الأولى بالمحكمة العليا):

« الشريعة الإسلامية هي المرجعية القانونية في قضايا الميراث »

ذكر رئيس الغرفة الأولى بالمحكمة العليا، السيد براجع، أن الجزائر تُعد ضمن الدول العربية التي تجعل الشريعة الإسلامية مرجعية فيما يخص قضايا الميراث، في حين تنتهج تونس، مثلا، نهجا قانونا وضعيا في المواريث؛ إذ تحكم بحصة مماثلة للذكر والأنثى، بعكس ما تقضي به الشريعة الإسلامية.

أما بقية البلدان العربية فإنه بحكم تواجد مزيج من الديانات فيها فإنها لا تحتكم في قانون الأحوال الشخصية إجباريا إلى الديانة الإسلامية، كما لا تحتكم إليه أقليات إسلامية في دول أخرى.

وذكر السيد براجع في لقاء مع « الشروق اليومي » أن القانون الفرنسي ترك آثاره في منطقة القبائل وغيرها أين تستشار المرأة فيما إن تقبل بالزواج بشقيق زوجها حيال وفاة زوجها، وذلك حرصا على بقاء حصته من الميراث داخل الأسرة وأن لا تؤول إلى الزوجة التي قد تتزوج غيره ويصير جزء من الميراث إلى الغريب، وبالتالي فإن من حرصهم على المحافظة على هذا الميراث تستبقى زوجة الهالك في ذات الأسرة، مضيفا أن العملية لا تكون إرغاما، إذ يحق للمرأة أن ترفض هذا العرض، لكن لا تأخذ حصتها من ميراث زوجها الهالك.

مضيفا أن عددا لا يستهان به في هذه المنطقة وغيرها تزوجوا بأرامل أشقائهم وأنجبوا منهم أبناء ولم يؤثر ذلك سلبا على تماسك العائلة، بل زادها تمسكا وقوة، بعيدا عن أضغان الحصول على الميراث.

الوزارة لا تحصي عدد قضايا المواريث

لدى اتصالنا بوزارة العدل من أجل الحصول على عدد القضايا المتعلقة بالمواريث سواء من ناحية النزاع أو طلب تقسيم التركات، فوجئنا بمكتب إحصاء يجيبنا أنه لا يوجد إحصاء  تفصيلي لهذه القضايا، وأن كل ما يمتلكه المكتب يتعلق بأبواب الملفات من قضايا الأحوال الشخصية، قضايا الجزائي، الإستعجالي، الحالات المدنية وغيرها، دون أن يخصص إحصاء قائما بذاته لحصر كل موضوع على حدة من منطلق مهمته كمكتب للإحصاء، وعليه فإن قضايا الميراث تندرج ضمن قضايا الأحوال الشخصية التي لم نتمكن من الحصول عليها من ذات المكتب.

4 بالمئة من قضايا الميراث عالقة على مستوى المحكمة العليا

كانت قضايا الميراث تعرض في العهد الاستعماري على المحاكم الشرعية، إلى جانب قضايا الزواج والطلاق ولم تكن تخضع إلى القانون المدني الفرنسي، وذلك محافظة على خصوصية هذه القضايا التي ترتبط ارتباطا قويا بديانة الشعب الجزائري.

ذكر رئيس غرفة الأحوال الشخصية بالمحكمة العليا، السيد علاوة لعوامري، أن قضايا الطعن في الوثائق المتعلقة بالميراث المتواجدة على مستوى المحكمة العليا لا تتعدى نسبة 4 بالمئة، موضحا أن السبب وراء الخلاف على التركات هو أنانية الورثة ورغبة كل واحد منهم في الحصول على أحسن ما تركه الهالك، وهذا ما يحيل المئات من القضايا بعد النطق بحكم القسمة على المحكمة العليا، لكن بعد النظر في موضوعية النقاط التي يطرحها الطاعن، فإذا كانت مستندة على أسس موضوعية تنقض القرار الأول وتحيل القضية من جديد على المحكمة الابتدائية، وإلا يصدر الحكم بتطبيق القسمة الأولى، يضيف محدثنا.

كما أن قضايا الميراث تصل أيضا إلى أروقة المحاكم إذا كان واحد من ورثة الهالك قاصرا؛ إذ يوجب القانون قسمة التركة عن طريق القاضي للمحافظة على نصيب القاصر.

ونفى السيد لعوامري أن شهدت المحاكم الجزائرية قضية تمنع النساء من الحصول على نصيبهن في الميراث، مؤكدا أن قانون الأسرة الجزائري مستمد من الشريعة الإسلامية، ونحن كقضاة ملزمون بتطبيق القانون نصّا وروحا.

وأضاف أن ما يطرح حاليا في بعض المناطق من أن المرأة تأتي تطلب نصيبها من الميراث، غالبا تطالب أخاها وأبناء إخوتها بعد سنوات من موت صاحب التركة.

وذكر عن طول المدة الزمنية التي تحتاجها قضايا المواريث للفصل فيها، أن قسمة المواريث هي نفسها تحتاج إلى وقت للفصل فيها، لأنها تحتاج إلى تقسيم دقيق، حصر الممتلكات وكذا الورثة، إجراء القسمة وقرعة ليأخذ كل شخص نصيبه من التركة، وطبيعة هذه القضايا تقتضي التأني والفصل فيها بهدوء.

واستند القاضي بالمحكمة العليا إلى المادة 727 من القانون المدني التي تنص على ما يأتي: « تجرى القسمة بطريق الاقتراع وتثبت المحكمة ذلك في محضرها وتصدر حكما بإعطاء كل شريك نصيبه المقرّر ».

ونبّه إلى نقطة تسقط حق الوارث في الحصول على نصيبه واردة في نفس القانون في مادته 829، حيث تتعامل معها المحكمة العليا باجتهاد لإبطال مضمونها الآتي: « لا تكسب بالتقادم في جميع الأحوال الحقوق الميراثية إلا إذا دامت الحيازة 33 سنة »، ويفسر السيد لعوامري مضمون هذه المادة بأنه إذا بقيت التركة في حيازة شخص من ورثة الهالك دون أن يطالب بقية الأفراد المعنيون بها بقسمتها والحصول على أنصبتهم، فإن هذه التركة تؤول بأكملها إلى الشخص المتصرف فيها بعد مرور 33 سنة من الحيازة، على أساس أنها حيازة بالتقادم، إلا أن المحكمة العليا تجتهد دائما حتى لا تعمل بهذه المادة منذ الثمانينيات، وذلك لأن بعض الورثة يحجم عن المطالبة بنصيبه خاصة النساء حياء من الأشقاء، وليس تنازلا منهم عن حصتهم في التركة، لكن بعد موت الأصول وأيلولة التركة إلى الفروع، يطالب البقية من الأصول ممن لم تكن التركة في حوزتهم بنصيبهم، ليتفاجؤوا برفض أبناء الأخ أو غيرهم برفض التقسيم على أساس أن ما تبقى من ممتلكات الهالك بصرف النظر عما إذا كانت ممتلكاته تحوز على جزء من ميراث العائلة الكبرى أم لا، وهو النصيب الأوفر مما تتمخض عنه قضايا المواريث في المحاكم الجزائرية.

قصص المجتمع تثير الغرابة

هالك يكتب تركته لواحدة من زوجاته، وميراث يبقى عالقا لأزيد من 17 سنة!

أينما تقلب بصرك في المجتمع الجزائري وتدقق النظر في أصول العائلات تجد قضية من قضايا الميراث وتقسيم التركة قد فعلت فعلتها في تفكيك نسيج العائلة، أو جعله نسيجا ظاهريا وفي باطنه الحقد والبغضاء والدسائس، والسبب واحد، سكوت عن حق قسمه الله لعباده من فوق سبع سموات، فمن بين هذه القضايا ما وجدناه في ملفات أحد المحامين ممن آثر أن لا يذكر اسمه حتى لا يسيء إلى موكليه بذلك، عرض علينا ملفا عمره سنتان من النزاع حول تركة انحسرت جميعها بيد الابن الأكبر للعائلة الذي تحايل على العائلة الثانية للهالك ولم يكتبها بالفريضة المقدمة ضمن ملف القضية أمام القاضي، واضطرت العدالة إلى تأخير المحاكمة إلى غاية التحقق من الفريضة، وهو الأمر الذي تطلب مشوارا زمنيا عبر الإجراءات القانونية لا يقل عن السنة، وفي خضم هذا التحقق كان الابن الأكبر استفاد من هذه الممتلكات فيما يتعلق بالإيجار، وغيرها من الفوائد، وتراجع التحقيق عن شرعية إدخال بقية الورثة في القضية؛ لأن الهالك كان قد كتب كل الممتلكات باسم الزوجة الثانية!

عائلة أخرى من قلب العاصمة ما تزال قضيتها في أدراج مجلس قضاء الجزائر بعد 17 سنة من الانتظار، مما جعلها تتعقد كل يوم أكثر فأكثر؛ لأن أفرادها لا يقل عمرهم عن الأربعين سنة ومصابون بأمراض مزمنة، وبفقد اثنين من أشقائهم، تعقدت قسمة الميراث  حتى ملّ الجميع حصوله على هذه التركة المثقلة بالفقد والموت.

أما عائلة « س » بجزائرنا العميقة فقد اختارت الاحتفاظ بالأرض بالتركة بعد هلاك الأب إلى غاية وفاة الأم، لأنها كانت على وشك الموت، حتى لا يعاد تقسيم حصتها للمرة الثانية، وبعد موتها عطلت نية تطبيق الشريعة الإسلامية واستقرت كل التركة في يد الابن الموكل برعايتهما في الأيام الأخيرة، ليحوز كل التركة لصالحه مكتفيا بمنح بعض الصدقات لشقيقاته دون عدالة، مع إبطال النية في إعطاء كل ذي حق حقه، خاصة البنات باعتبار المنطقة التي تقطنها العائلة، مع العلم أن التركة عبارة عن أراضي وعقارات وسيولة بنكية.

والأمثلة كثيرة وموجعة وعددها لا يشجع على الحصر، مع الإشارة إلى أن الحائزين على تركات الغير يدركون جيدا أنهم من مرتكبي المعاصي، إلا أن الأعراف والسلبية رسمت معالم حياة هنيئة بالنسبة إليهم وجعلتهم بمنأى عن النقد والعتاب.

الدكتور أوذاينية (الباحث في علم الاجتماع السياسي) يؤكد:

« أغلب قضايا المحاكم سببها الميراث وبعضها يؤدي إلى القتل »

أوضح الدكتور أوذاينية، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن قسمة الميراث تعتبر من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الكثير من الخلافات العائلية والأسرية بشكل عام، إذا لم تعالج وفق المنطق الاجتماعي السائد المرتبط بالعادات والتقاليد والنظم والقيم الاجتماعية المؤثرة في شخصية الفرد من حيث السلوك والانفعالات والحق في التصرف، حسبما أفادنا به عمر أوذاينية، الدكتور في علم الاجتماع السياسي.

لذا تلجأ النظم الاجتماعية منذ القدم إلى تنظيم هذه العلاقات القائمة بين الأفراد الذين تجمعهم أصول مشتركة؛ لأن الميراث مرتبط برابطة الدم، وكذلك تتطرق كل الأديان السماوية والفلسفات الاجتماعية إلى هذا الموضوع باعتباره ناظما للعلاقات الاجتماعية، وأولته عناية فائقة، وحددت المقادير والحقوق والواجبات المترتبة بكل مكانة اجتماعية للوارث والمورث.

غير أن الالتزام بهذه الأحكام لا يتم بنفس الطريقة لدى مختلف الفئات الاجتماعية، وفي بعض الثقافات الفرعية التي تميز بين حقوق الذكور والإناث، وبين الزواج الداخلي والخارجي؛ لأن العصبية تلعب دورا كبيرا في تفسير السلوك الاجتماعي.

فبدخول العصبية ودخول الغريب في الأسرة تحرم المرأة من الحق في إرث العقار كما يحدث ذلك في بعض منطقة القبائل، منطقة الشاوية، القبائل العربية، بني ميزاب، وقد تعرض لذلك العديد من الباحثين في بحوث ميدانية، مثل « بيار بورديو » في كتاب الاقتلاع، عبد اللطيف بن آشنهو، عبد الحميد الشلايظ من تونس، والطيب البشير في منطقة مطماطة وتيطاوين بتونس في دراسة سوسيولوجية التراث والقبيلة.

وتحدث الباحث والدكتور في علم الاجتماع السياسي أيضا عن مزايا تقسيم التركة من الناحية الاجتماعية، قائلا: يمكن النظر إلى هذا الموضوع من عديد الزوايا، إذ من خلاله يمكن أن يحدث التماسك الاجتماعي عن طريق نظام تقسيم الملكية على الورثة، ولكنه لا يشجع في آن واحد على تراكم رأس المال ويؤثر على نمو رأس المال والتركيز المؤدي للاستثمار ويعتبر هذا الامتلاك في الأرض والعقار شيئا مقدسا.

ويختلف الامتلاك في ولايات الجنوب حيث لديه دلالة أخرى؛ لأنه يرتبط بالماء وليس بالعقار، نظرا لطبيعة المنطقة، يضيف محدثنا.

أما عن الجوانب السلبية، فقد ذكر أن تقسيم التركة يؤدي عادة إلى تفكك الروابط الأسرية وإلى الصراع من أجل النفوذ، وكان في السابق يمنع بيع الأرض أو تقسيمها داخل نفس الأسرة في المناطق الجبلية حفاظا على وحدة الأسرة وتماسكها وحفاظا على السلطة داخل القبيلة، ومن ثم أساس تهديم العلاقة الاجتماعية إذا تهدم أساس الملكية.

وفي إسقاط له على المجتمع الجزائري ذكر الدكتور أوذاينية من خلال دراسة له أجراها على بعض مناطق الوطن بخصوص تقسيم التركة، أن أغلب المشاكل التي تحدث بين الأصول والفروع في بلادنا هي بسبب الميراث، مضيفا أنه حتى على مستوى المحاكم فإن السواد الأعظم من القضايا التي ترفعها الفروع على الأصول قائمة على مشكل الإرث.

وقال إنه من خلال نفس الدراسة تبين أن هذه القضايا تحتل حيّزا كبيرا من المشاكل الاجتماعية تصل إلى حد القتل من الفروع للأصول لاستعجال عملية الميراث، غير أنها تطفو على مستوى المحاكم على أساس أنها قضايا اختلاف، غير أن المشكل الأساس وراء بعض قضايا القتل هو الميراث، سواء كان العقار فلاحيا أو حضريا.

وأوضح الدكتور أن تفاقم مشاكل الميراث لا تعود إلى أن القانون أو الشرع لا يفصحان عن العلاقة وتحديد ضوابط تقسيم التركة، بل لأن الأفراد في المجتمع يسعون دائما لامتلاك حق الآخرين تحت عناوين مختلفة باسم الحفاظ على وحدة الملكية، وقوة الأسرة ونفوذها المتمثلة عادة في الممتلكات العقارية.

دعا إلى تقسيم التركات، الشيخ أبو عبد السلام:

« الله قسّم التركة بنفسه ومن لا يطبقها يرتكب كبيرة من الكبائر »

أما رأي الشرع في هذه القضية فهو واضح، ودليله إدراج سورة كاملة في القرآن الكريم تشرح كيفية توزيع التركة وتقسيمها في سورة النساء التي سميت بسورة الفرائض، وقال الشيخ أبو عبد السلام إنه لا يوجد مشكل بخصوص المواريث، بل المشكل في تطبيق العباد لأحكام الشريعة الإسلامية التي كانت واضحة في هذا الصدد، وذكر أن الله قسّم الميراث بنفسه ولم يترك مجالا للاجتهاد لأي شخص حيث جعل لكل إنسان حقه بأسهم في تركة الهالك.

وأضاف أن من لا يطبق قسمة التركة بعد موت الهالك فهو رافض للشريعة الإسلامية ورافض لأحكامها، بل ومرتكب لكبيرة من الكبائر، محددا أنه لا يوجد وقت لتقسيم الميراث، فهو واجب القسمة بمجرد موت صاحبه، عدا أخذ جزء من أجل الكفن وتسديد ديون الميت.

أما عن دعوة المجتمع لبعض الأشخاص أن لا يرفعوا دعوى قضائية ضد الحائزين على التركة ومستغليها دون توزيعها على مستحقيها بحجة المحافظة على صلة الرحم، ذكر الشيخ أبو عبد السلام أن هذه عادة انتشرت في المجتمعات، ولا يلزم صاحب الحق العمل بها، والشرع لا تقيده هذه العادات، بل يجب أن ينال كل وارث حقه حسبما قسمته له الشريعة الإسلامية في إيضاحها للأنصبة التي تليق بكل شخص بموجب قرابته للهالك وكذا جنسه.

الشروق-20.08.09


Actions

Informations



Laisser un commentaire




Génération Citoyenne |
machinesabois |
1954-1962 : "Hed Thnin !" |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | FCPE Lionel Terray
| LUGAR DO DESENHO-LIEU DU DE...
| Morphopsychologie, parlons-en!